بقلم: عبد الله جداد
طانطان –
ما إن وطأت قدماي أرض طانطان الأبية، في هذا اليوم المبارك الذي يمثل عيدًا للمسلمين، حتى تحركت في الوجدان شجون الذكريات، وعاد بي الشريط إلى هامة من هامات هذا الوطن العظيم؛ رجل جمع بين الدين والوطنية، والتسامح والوفاء.. الراحل المقيم في القلوب، الشيخ لارباس ماء العينين، الذي ارتبط اسمه بصفحات مضيئة في خدمة كتاب الله تعالى والعناية بأهله.
يعود إلى هذا الشريف الجليل فضل كبير—إلى جانب ما خلّفه من سيرة عطرة—في تأسيس وتنظيم واحدة من أكبر مسابقات حفظ وتجويد القرآن الكريم بالأقاليم الجنوبية، المسابقة التي حظيت بالرعاية الملكية السامية واستمرت على مدى ستة عشر عامًا بفضل موافقة ودعم المرحوم الداه محمد الأغظف، المدير السابق لقناة العيون، والتي يواصل اليوم حمل إشعاعها بكل أمانة ومسؤولية الشيخ محمد الوناس، رئيس المجلس العلمي الجهوي، والأستاذ محمد العماري، المدير الجهوي للشؤون الإسلامية.

وكانت زيارتي لطانطان اليوم فرصة لاستعادة اللحظات الصادقة، فرأيتُ من الوفاء أن أقف خاشعًا ومترحمًا على روحه الطاهرة بمقبرة “دوار الشيخ عبداتي”، حيث يرقد جثمانه الشريف إلى جانب والده ووالدته. وقفتُ أمام قبر رجل من رعيل الدولة الأوفياء، ورجل فقه وأدب وشعر، تجسدت فيه البساطة والتواضع؛ ابن “الخيمة الكبيرة” التي ظلت أبوابها مشرعة دائمًا أمام الفقراء والمساكين وأهل القرآن ومحبيه، في زوايا آل الشيخ ماء العينين بين العيون والطامطان وتزنيت.
وفي تلك اللحظة المهيبة، لم أستطع أن أتمالك دموعي وأنا أستحضر الأحاديث الدافئة التي كان يخصني بها الفقيد الغالي عن والدي، المرحوم أحمد جداد (الملقب بالريفي)، عندما جمعتهما ظروف الاعتقال في سجن “فينتي بينتورا” بجزر الكناري سنة 1958.

كان يحدثني عن والدي وكيف كان يعتني بكبار السن من أبناء الصحراء، ومنهم الشيخ لارباس والحاج إبراهيم الدويهي وآخرون، باعتباره الأصغر سنًا بينهم، ويحرص على خدمتهم والوقوف إلى جانبهم في تلك الظروف الصعبة. كانت حكاياته عن تلك المرحلة تحمل الكثير من الوفاء والصدق، وتكشف عن علاقة إنسانية ظلت راسخة في ذاكرته وذاكرتي.
لم تكن علاقتي بالشيخ لارباس مجرد علاقة عابرة، فقد كان يعاملني بالكثير من التقدير والاحترام، وكنت أبادله الشعور نفسه، ونحن نلتقي حول رسالة واحدة عنوانها خدمة القرآن الكريم والعناية بأهله. وفي هذا المسار، أستحضر كذلك رفيقي حسنا سيدي عثمان، والسيدة عليوة بدا، مديرة قناة العيون، الذين واصلوا حمل مشعل العناية بالقرآن الكريم، وهي الرسالة التي ظل الراحل الشيخ لارباس مؤمنًا بها ومدافعًا عنها.

إن العزاء في رحيل هذا الجبل الأشمّ، هو أنه ترك من بعده ذرية صالحة متشبعة بقيمه وشيمه النبيلة، تحمل اليوم مشعل تلك الرسالة الأبوية العظيمة، وتواصل ما بدأه رجل يصعب أن يتكرر في التاريخ بنفس حضوره وقيمه وعطائه.
تغمد الله الشيخ لارباس ماء العينين بواسع رحمته، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه لكتاب الله وأهل القرآن في ميزان حسناته، ورحم الله والدي أحمد جداد، ورحم جميع موتى المسلمين.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾





