استخدمت روسيا، اليوم الجمعة، حق النقض (الفيتو) لإسقاط مشروع القرار الذي تقدمت به الولايات المتحدة الأمريكية بشأن الصحراء المغربية، ما حال دون اعتماده من طرف مجلس الأمن الدولي، رغم حصوله على تأييد 11 عضواً، مقابل امتناع ثلاثة أعضاء عن التصويت، ومعارضة موسكو، وذلك خلال جلسة انعقدت بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، وسط تباين واضح في المواقف بشأن المرجعية السياسية لتسوية النزاع ومستقبل بعثة الأمم المتحدة في المنطقة.
وحظي مشروع القرار الأمريكي، الذي صيغ تحت إشراف واشنطن بصفتها حاملة القلم في ملف الصحراء، بتأييد 11 عضواً من أعضاء المجلس، فيما امتنعت الصين وباكستان والصومال عن التصويت، بينما صوتت روسيا ضده، مستعملة حق النقض. وشهدت الجلسة، في مستهل أشغالها، موافقة رئيسة مجلس الأمن على مشاركة ممثل الجزائر في المناقشات، استناداً إلى المادة 37 من النظام الداخلي المؤقت للمجلس، دون أن يكون للجزائر حق التصويت.
وكان المشروع الأمريكي يقترح اعتماد مبادرة الحكم الذاتي المغربية الموسعة والمحيّنة مرجعية أساسية وحيدة للمناقشات السياسية الرامية إلى إنهاء النزاع، مع دعوة الأطراف المعنية إلى الانخراط بشكل جدي وبناء في المفاوضات انطلاقاً من المقترح المغربي، باعتبار أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمثل الحل الأكثر قابلية للتطبيق.
كما شدد النص على ضرورة التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الطرفين، وفق مبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة، بما يشمل مبدأ تقرير المصير، داعياً الأطراف إلى التعاون مع الجهات المعنية بتيسير العملية السياسية وتقديم مواقفها ومقترحاتها في إطار المناقشات المرتبطة بالمبادرة المغربية للحكم الذاتي.
واستحضر المشروع ثلاث جولات من المشاورات والمناقشات التي احتضنتها كل من واشنطن ومدريد خلال السنة الجارية، بمشاركة المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا، مع الدعوة إلى مواصلة المساعي الدبلوماسية تحت رعاية الأمم المتحدة وبدعم من الولايات المتحدة الأمريكية، مع الحفاظ على الدور القيادي للمنظمة الأممية في إدارة العملية السياسية وتيسير المفاوضات.
وفي ما يتعلق بمستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (المينورسو)، اقترحت واشنطن تمديد ولايتها إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع تغيير تسميتها ابتداءً من فاتح نونبر 2026 إلى «بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية» (MINUSO)، في إطار مراجعة مؤسساتية تهدف إلى ملاءمة طبيعة البعثة ومهامها مع التطورات التي يعرفها المسار السياسي.
وتضمن المشروع تكليف الأمين العام للأمم المتحدة بإعداد تصور مفصل بشأن مستقبل البعثة، وتقديمه إلى مجلس الأمن في أجل أقصاه 30 يناير 2027. وكان من المرتقب أن يشمل هذا التصور خيارات إعادة هيكلة الموارد البشرية، وتقليص عدد الأفراد النظاميين، وإغلاق بعض المواقع الميدانية أو دمجها، فضلاً عن تحديد الترتيبات المتعلقة بمراقبة وقف إطلاق النار والتعامل مع الألغام ودعم المفاوضات السياسية.
ولم يتضمن المقترح الأمريكي أي قرار تلقائي بتحويل البعثة إلى مهمة سياسية أو تحديد موعد مسبق لإنهاء مهام حفظ السلام، إذ ربط البت في مستقبلها بالتوصيات التي سيقدمها الأمين العام للأمم المتحدة وبمدى التقدم المحرز في العملية السياسية، مع التأكيد على ضرورة الحفاظ على الخبرات المؤسسية وضمان استمرارية المهام الميدانية خلال أي مرحلة انتقالية محتملة.
وامتدت المقتضيات المقترحة إلى توسيع نطاق المشاورات بشأن مستقبل النزاع، من خلال دعوة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الاستماع لمختلف الفئات الصحراوية، بما فيها الشخصيات والمجموعات التي لا تشارك بشكل مباشر في المفاوضات، سواء داخل الإقليم أو في مخيمات اللاجئين والشتات، مع إدراج خلاصات هذه المشاورات ضمن التقارير الدورية المرفوعة إلى مجلس الأمن.
كما تطرق المشروع إلى قضية اللاجئين بمخيمات تندوف، مطالباً المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين باستكمال عملية تسجيل مجموع اللاجئين في غضون ستة أشهر، وفقاً للقانون الدولي والمعايير المعتمدة لديها، مع ضمان استقلالية العملية وعدم تدخل أي جهة فيها، وتيسير الوصول إلى المعنيين وضمان حرية التنقل اللازمة لإتمام التسجيل وتقييم الحلول الدائمة.
ويأتي الفيتو الروسي في سياق خلاف دبلوماسي بين موسكو وواشنطن بشأن الصيغة التي ينبغي اعتمادها لتدبير ملف الصحراء داخل مجلس الأمن، إذ كانت روسيا قد عممت مشروع قرار بديلاً يقترح تمديد ولاية بعثة «المينورسو» لمدة سنة إضافية، إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع الإبقاء على تسميتها الحالية وطبيعة المهام الموكولة إليها.
ويتمحور الاختلاف بين المشروعين أساساً حول المرجعية السياسية للمفاوضات ومستقبل الوجود الأممي في المنطقة؛ ففي الوقت الذي سعت فيه الصيغة الأمريكية إلى جعل مبادرة الحكم الذاتي المغربية الموسعة والمحيّنة أساساً للمناقشات السياسية، بالتوازي مع مراجعة تسمية البعثة وهيكلتها، تمسك المقترح الروسي بالإطار المؤسساتي القائم، داعياً إلى استمرار عمل «المينورسو» وفق تسميتها الحالية ومهامها المعتمدة.





