لم يكن الفيتو الروسي، يوم 30 أكتوبر 2026، مجرد عرقلة لمشروع قرار أمريكي داخل مجلس الأمن الدولي، بل شكل محطة جديدة أعادت إلى الواجهة مأزقاً سياسياً وإنسانياً امتد لنحو نصف قرن، وظلت تداعياته تثقل حياة آلاف الصحراويين في مخيمات تندوف، بعيداً عن أرضهم وفي انتظار تسوية لا يملكون وحدهم مفاتيحها. فبينما تنشغل القوى الدولية بحسابات التصويت والمواقف الدبلوماسية، تظل هناك أجيال كاملة وُلدت في المخيمات وكبرت فيها، وأنجبت أطفالاً لم يعرفوا عن الوطن سوى ما تناقلته العائلات من صور وحكايات وذكريات.
وحصل مشروع القرار الأمريكي على تأييد 11 عضواً بمجلس الأمن، مقابل معارضة روسيا وامتناع ثلاثة أعضاء عن التصويت، غير أن استخدام موسكو حق النقض، بصفتها عضواً دائماً في المجلس، حال دون اعتماده. وفي المقابل، لم يتمكن المشروع الروسي البديل، الذي اقترح تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء «المينورسو» دون إدخال تغييرات جوهرية على طبيعة عملها، من الحصول على الأغلبية المطلوبة. وانتهت الجلسة، بذلك، دون اعتماد قرار جديد بشأن الولاية، في تطور يفتح الباب أمام مرحلة من الغموض بشأن مستقبل البعثة والمسار الأممي.
غير أن الأهم في هذه المحطة لا يقتصر على نتائج التصويت أو التباين بين مواقف القوى الكبرى، بل يتجاوز ذلك إلى السؤال الإنساني الذي ظل مؤجلاً لعقود: إلى متى سيظل سكان مخيمات تندوف يعيشون في وضع استثنائي، تتوارثه الأجيال دون أفق واضح للحل؟ فخلف الأرقام والتقارير والمواقف السياسية توجد عائلات لها الحق في الحياة الكريمة وحرية التنقل والتعبير عن الرأي واختيار مستقبلها.
وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية الجزائر باعتبارها الدولة التي تقع المخيمات فوق ترابها، والطرف الذي يمتلك إمكانات التأثير في الظروف المحيطة بسكانها. ولا يمكن اختزال دورها في هذا الملف في مجرد موقف دبلوماسي مساند لجبهة البوليساريو، بالنظر إلى استضافتها للمخيمات وما تقدمه من دعم سياسي للجبهة. ومن ثم، يظل من المشروع أن يطرح المجتمع الدولي أسئلة بشأن ضمان حرية التنقل لسكان المخيمات، وتمكينهم من التعبير عن اختياراتهم، وتوفير الظروف التي تسمح لهم بتحديد مستقبلهم بعيداً عن أي وصاية أو ضغط.
ولا ينفصل هذا النقاش عن محطات تاريخية شهدت توترات بين المغرب والجزائر، وكانت لها انعكاسات مباشرة على حياة المدنيين. ففي أعقاب حرب الرمال سنة 1963، تأثرت أوضاع مغاربة كانوا يقيمون في الجزائر، من بينهم أشخاص ساهموا في مقاومة الاستعمار الفرنسي. وبعد ذلك، شهدت سنة 1975 ترحيل آلاف الأسر المغربية من الجزائر، حيث تشير تقارير حقوقية وشهادات متضررين إلى أن عددها بلغ نحو 45 ألف أسرة. وقد ترك هذا الترحيل آثاراً اجتماعية وإنسانية عميقة على عائلات كانت قد بنت حياتها واستقرت في البلد، قبل أن تجد نفسها أمام واقع الاقتلاع من مساكنها ومصادر عيشها وروابطها الاجتماعية.
واستحضار هذه الوقائع لا ينبغي أن يتحول إلى دعوة لتوارث العداء بين الشعبين المغربي والجزائري، اللذين تجمعهما روابط التاريخ والجغرافيا والقرابة والمصالح المشتركة، وإنما يهدف إلى التذكير بأن المدنيين غالباً ما يكونون أول ضحايا القرارات السياسية عندما تتحول الخلافات بين الدول إلى إجراءات تمس حقوق الأفراد والعائلات. وما تعرضت له الأسر المغربية التي جرى ترحيلها، وما يعيشه سكان مخيمات تندوف منذ عقود، يطرحان أسئلة متجددة حول حدود توظيف الإنسان في النزاعات السياسية.
كما لا يمكن إغفال التجربة الداخلية الجزائرية خلال تسعينيات القرن الماضي، حين دخلت البلاد مرحلة عنف دامية عقب إلغاء المسار الانتخابي سنة 1992، وما أعقب ذلك من صدامات وتطورات سياسية وأمنية معقدة خلفت عشرات الآلاف من الضحايا، فيما تذهب بعض التقديرات إلى أن الحصيلة قد تصل إلى نحو مئتي ألف قتيل. ورغم أن هذه المأساة لا يمكن اختزالها في سبب واحد أو تحميل طرف واحد مسؤوليتها كاملة، فإنها تظل محطة مفصلية في تاريخ الجزائر الحديث، وتعيد طرح أهمية المسارات السياسية والمؤسساتية في تجنيب المجتمعات كلفة الصراعات الطويلة.
ومن هذا المنطلق، يبرز التساؤل حول مدى تأثير استمرار التوتر مع المغرب في العلاقات الإقليمية، وحول كلفة تحويل الخلاف السياسي إلى محور دائم في الخطاب العام، في وقت تحتاج فيه شعوب المنطقة إلى مشاريع تنموية وديمقراطية تفتح آفاقاً جديدة أمام الشباب وتستجيب لتطلعاتهم الاقتصادية والاجتماعية.
إن استمرار النزاع دون تسوية نهائية يضع السكان، ولا سيما المقيمين في مخيمات تندوف، أمام واقع تتداخل فيه الاعتبارات الإنسانية بالحسابات السياسية والاستراتيجية. وحين تصبح معاناة المدنيين جزءاً من تجاذبات الأطراف، تتراجع احتياجاتهم اليومية إلى مرتبة ثانوية، ويغدو الانتظار واقعاً موروثاً من جيل إلى آخر. لذلك، فإن أي مقاربة جادة لهذا الملف ينبغي أن تضع الإنسان في صلب الأولويات، وأن تضمن ألا يتحول السكان إلى أدوات ضغط أو أوراق تفاوض.
فالصحراويون في تندوف ليسوا مجرد أرقام في تقارير المساعدات الإنسانية، ولا كتلة سياسية صامتة، بل أفراد وعائلات لهم حقوق أساسية، من بينها التنقل بحرية، والتواصل مع ذويهم، والتعبير عن آرائهم، والمشاركة في تحديد مستقبلهم. كما أن من واجب المنظمات الإنسانية ضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها، ومواصلة عملها في ظروف تسمح لها بأداء مهامها باستقلالية وشفافية، بعيداً عن أي توظيف سياسي أو عرقلة.
وفي المقابل، يؤكد المغرب أن موقفه من الصحراء لا يستمد قوته من تصويت داخل مجلس الأمن أو من مواقف ظرفية تصدر عن عواصم دولية، بل يستند، وفق رؤيته الرسمية، إلى روابط تاريخية ومؤسساتية يعتبرها أساساً لوحدته الترابية. فقد حافظت الدولة المغربية، عبر قرون، على استمراريتها وامتدادها الإفريقي، من خلال علاقات سياسية وتجارية ودينية وثقافية ربطتها بمناطق واسعة من غرب إفريقيا.
كما يشكل تلاحم المؤسسات والشعب، والرابطة التي تجمع الملكية بمختلف مكونات المجتمع المغربي، أحد العناصر التي يستند إليها الخطاب الرسمي في تأكيد استمرارية الدولة ووحدتها. وقد عبّر الملك محمد السادس عن هذا الموقف في أكثر من مناسبة، مؤكداً أن «المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها». وهو تعبير عن ثبات الموقف المغربي بشأن وحدته الترابية، بصرف النظر عن التحولات التي تعرفها مواقف الدول أو موازين التصويت داخل المؤسسات الدولية.
وفي هذا الإطار، اكتسب بلاغ الديوان الملكي الصادر عقب جلسة مجلس الأمن أهمية خاصة، إذ اعتبر عدم تجديد ولاية المينورسو تطوراً مهماً وخطوة نحو الإغلاق النهائي لملف الصحراء المغربية داخل الأمم المتحدة. كما عبّر البلاغ عن توجه المغرب نحو الانتقال إلى مرحلة جديدة في تدبير هذا الملف، مشيراً إلى أن وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية، بما يشمل أفرادها ومركباتها ومعداتها ورموزها، ينبغي أن ينتهي خلال الأيام المقبلة.
ويعكس هذا الموقف، بحسب البلاغ، رغبة المغرب في تجاوز مرحلة التدبير الأممي التقليدي للنزاع، والانتقال إلى تصور جديد يستند إلى ما يعتبره ثوابت سيادته ووحدته الترابية. غير أن مآلات الوضع المؤسساتي للبعثة والمسار الأممي ستظل مرتبطة بالتطورات والقرارات التي ستشهدها الأمم المتحدة خلال المرحلة المقبلة.
وبذلك، لا يقتصر الموقف المغربي على التعبير عن رفض استمرار الوضع القائم، بل يقدم تصوراً سياسياً لمرحلة جديدة، عنوانها الثقة في المؤسسات الوطنية والتشبث بالوحدة الترابية. كما يؤكد أن السيادة والكرامة الوطنية، وفق الرؤية المغربية، ليستا موضوعاً للمساومة أو الانتظار.
لقد آن الأوان لأن تتحول الدعوات إلى الحل السياسي إلى خطوات عملية تضع حداً لمعاناة السكان، وأن تتحمل جميع الأطراف مسؤولياتها في تهيئة الظروف الكفيلة بإنهاء هذا النزاع. وتتحمل الجزائر، بحكم استضافتها للمخيمات ودورها في هذا الملف، مسؤولية أساسية في ضمان الحقوق الإنسانية لسكانها، وفي المساهمة في تهيئة مناخ يسمح بالتوصل إلى تسوية تنهي حالة الانتظار التي امتدت لعقود.
فليس من المقبول أن يرث الأطفال خيام آبائهم، وأن يرثوا معها نزاعاً لم يختاروه، أو أن تظل حياتهم معلقة على حسابات سياسية لا يملكون التأثير فيها. أما المغرب، فيؤكد عزمه مواصلة تنمية أقاليمه الجنوبية والدفاع عن وحدته الوطنية، مستنداً إلى تاريخه ومؤسساته وإرادة مواطنيه.
وفي نهاية المطاف، تبقى القيمة الحقيقية لأي حل سياسي في قدرته على إنهاء المعاناة الإنسانية، وصون كرامة السكان، وفتح أفق جديد أمام أجيال ظلت تنتظر منذ نصف قرن فرصة للعيش في الاستقرار والأمان، بعيداً عن منطق الصراع وتوارث الأزمات.





