في الوقت الذي كانت فيه عائلات جزائرية تلملم رماد بيوتها وتودع ضحايا حرائق مدمرة خلفت، بحسب الحصيلة المعلنة، 12 قتيلاً و54 مصاباً، اختار الرئيس المعين عبد المجيد تبون أن يفتح مبكراً باب فرضية «الفعل الإجرامي»، قبل أن تنتهي التحقيقات وقبل أن تعرض السلطات للرأي العام أدلة مادية تثبت هذه الرواية.
تبون، الذي زار مستشفى الحروق الكبرى بزرالدة، أعلن أن وجود شبهة جنائية وراء بعض الحرائق «لا يمكن استبعاده»، مؤكداً أن التحقيقات ستكشف الحقيقة. وهي صياغة رسمية نقلتها وكالة الأنباء الجزائرية نفسها، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: لماذا يبدو النظام الجزائري دائماً أسرع في البحث عن متهم محتمل من بحثه عن أوجه القصور داخل مؤسسات الدولة؟!
لا أحد يمكنه استبعاد فرضية الإجرام، ولا أحد ينبغي أن يعترض على التحقيق في احتمال وجود حرائق متعمدة، لكن تحويل هذه الفرضية إلى عنوان سياسي بارز قبل اكتمال التحقيقات يثير مخاوف مشروعة من أن تتحول الكارثة، مرة أخرى، إلى فرصة للهروب من السؤال الأصعب: هل كانت الدولة مستعدة فعلاً لمواجهة الحرائق؟
فالمأساة هذه المرة لم تكن محدودة. فقد سجلت السلطات عشرات ومئات بؤر الحرائق في عدة مناطق، وسقط 12 قتيلاً، من بينهم خمسة في جيجل وأربعة في بجاية وثلاثة في تيزي وزو، فيما أصيب العشرات، بعضهم في حالات خطيرة. كما اضطر سكان في مناطق متضررة إلى مغادرة منازلهم.
أمام هذه الأرقام، لا يكفي أن يخرج تبون ليتحدث عن الرياح العاتية أو عن احتمال وجود «أيدٍ إجرامية». فالرياح ليست حدثاً مجهولاً، وموجات الحر ليست مفاجأة في بلد يواجه حرائق صيفية بشكل متكرر. والسؤال الحقيقي الذي ينتظر الجزائريون إجابة عنه ليس فقط: من أشعل النار؟ بل أيضا: لماذا لم تكن منظومة الدولة قادرة على منع تحول النار إلى كارثة بهذا الحجم؟
أين كانت خطط الإنذار المبكر؟ وهل كانت عمليات إجلاء السكان بالسرعة المطلوبة؟ وهل كانت المساحات الغابوية تخضع لصيانة وتهيئة منتظمة تقلل من انتشار النيران؟ وهل كانت وسائل التدخل البري والجوي متوفرة وجاهزة في الوقت المناسب؟
هذه أسئلة لا يمكن دفنها تحت رماد خطاب سياسي مريح يبحث عن «فاعل خارجي» أو «مجرم مجهول» قبل أن ينتهي التحقيق.
والأخطر أن الجزائر عاشت في السابق سيناريوهات مشابهة، حيث طغت بسرعة فرضيات الأفعال الإجرامية والمؤامرات على النقاش العام عقب حرائق مدمرة. والتاريخ القريب يفرض الحذر الشديد من تكرار هذا المسار، لأن التسرع في تحديد رواية سياسية لكارثة طبيعية أو إنسانية قد تكون له نتائج وخيمة، خصوصاً عندما تتحول الشكوك والتهم غير المثبتة إلى وقود للغضب الشعبي.
زيارة تبون للمصابين والتعبير عن التضامن معهم أمر طبيعي ومطلوب من أي رئيس دولة، لكن التعاطف أمام كاميرات التلفزيون لا يعوض سياسة وقائية ناجعة، كما أن كلمات المواساة لا تعيد من فقدوا حياتهم، ولا تجيب عن مصير العائلات التي وجدت نفسها في مواجهة النيران والدخان والخوف.
الجزائريون لا يحتاجون فقط إلى صور المسؤولين وهم يتفقدون الضحايا بعد وقوع الكارثة، بل يحتاجون إلى دولة تمنع الكارثة قبل وقوعها، وإلى منظومة شفافة تشرح للرأي العام ما الذي حدث، وما الذي فشل، ومن المسؤول عن أي تقصير، وكيف ستمنع البلاد تكرار المأساة.
المشكلة ليست في التحقيق في فرضية الجريمة، بل في أن تصبح «الجريمة» جواباً جاهزاً قبل طرح جميع الأسئلة الأخرى. فمن السهل سياسياً أن يقال إن «أيادي إجرامية» تقف وراء الحرائق، لكن من الأصعب بكثير الاعتراف بأن سنوات من ضعف التخطيط، أو سوء التدبير، أو نقص الجاهزية، أو غياب الاستباق، يمكن أن تجعل أي موجة حر ورياح قوية كارثة وطنية.
ولهذا فإن أكبر امتحان لتبون وحكومته لن يكون في إطلاق التصريحات أو زيارة المستشفيات، بل في كشف الحقيقة كاملة، مهما كانت محرجة. فإذا أثبت التحقيق وجود عمل إجرامي، فيجب تقديم الأدلة ومحاسبة المتورطين. أما إذا كشفت التحقيقات عن ثغرات في الاستعداد أو الوقاية أو التدخل، فإن المسؤولية السياسية تقتضي الاعتراف بها وإصلاحها، لا البحث عن شماعة جديدة لتعليق الفشل عليها.
فالأوطان لا تُحمى بالشعارات، والضحايا لا تُنصفهم الكاميرات، والكوارث لا تُدار بالبحث السريع عن متهم قبل البحث عن الحقيقة.
أما عبد المجيد تبون، فسيظل مطالبا بالإجابة عن السؤال الذي يسبق كل شيء: هل كانت الدولة الجزائرية مستعدة حقاً لحماية مواطنيها، أم أنها لم تستيقظ إلا بعد أن التهمت النيران الأرواح والغابات والمنازل؟
هل تكفي فرضية “الفعل الإجرامي” وزيارة تبون للمصابين للمداراة على فشل جزائر العسكر في مواجهة الحرائق؟!

Total Views: 7٬394
شارك هذا المقال
مدير تحرير وكالة الصحراء للانباء، يشرف على رسم وتطوير السياسة التحريرية للمؤسسة وفق رؤية إعلامية مهنية ترتكز على المصداقية والموضوعية والالتزام بأخلاقيات العمل الصحفي. يتولى قيادة الفريق التحريري، وضمان جودة المحتوى الإخباري والتحليلي، بما يعزز مكانة الجريدة كمنبر إعلامي رصين يخدم قضايا المجتمع المحلي والوطني، ويساهم في ترسيخ إعلام مسؤول يواكب التحولات الرقمية ومتطلبات المرحلة.




