بينما لم تكشف التحقيقات بعد بشكل نهائي عن المسؤولين عن الحرائق الأخيرة التي أودت بحياة 12 شخصا في عدد من الولايات الجزائرية، ولو ان النظام العسكري يقف من ورائها، اختار تبون العسكر رفع سقف الرد إلى أقصى درجة، عبر التلويح بعقوبة الإعدام في حق كل من يثبت تورطه في إضرام الحرائق عمدا.
ففي أعقاب الكارثة التي خلفت خسائر بشرية ومادية، وجه تبون وزير العدل إلى إعداد مشروع لتعديل قانون العقوبات، يتضمن تشديد العقوبات ضد المتورطين في إشعال حرائق الغابات، وصولا إلى الإعدام بعد استنفاد جميع طرق الطعن القانونية.
قرار جاء في سياق غضب واسع خلفته الحرائق، لكنه يطرح في الوقت نفسه أكثر من سؤال حول الطريقة التي اختارت بها السلطات الجزائرية التعامل مع المأساة، فقبل أن تتضح نتائج التحقيقات وتكشف الجهات أو الأشخاص المسؤولون عن اندلاع الحرائق، انتقل الخطاب الرسمي مباشرة إلى الحديث عن الإعدام والعقوبات القصوى.
إنها مفارقة تختصر، بحسب متابعين، طريقة اشتغال السلطة في الجزائر: تحقيقات لم تنته بعد، وفرضيات ما تزال مفتوحة حول أسباب الحرائق وشبهات تتحدث عن احتمال وجود أفعال إجرامية، لكن الجواب السياسي والقانوني كان جاهزا قبل الوصول إلى الخلاصات النهائية تشديد العقوبات والتهديد بالإعدام.
واللافت أن الرئيس الجزائري ربط هذه الخطوة بشبهات حول تزامن اندلاع عدد من الحرائق في توقيت متقارب، وهي معطيات دفعت السلطات إلى فتح تحقيقات أمنية موسعة لمعرفة ما إذا كانت وراء الكارثة “أياد إجرامية”، غير أن الفرق يبقى واضحا بين وجود شبهات تستوجب التحقيق، وبين إثبات المسؤولية الجنائية أمام القضاء.
فالقانون، في النهاية، لا يبنى على الانطباعات ولا على الغضب الذي تخلفه الكوارث، بل على الأدلة والتحقيقات والمحاكمات وضمانات الدفاع، ولذلك، فإن الانتقال من مرحلة البحث عن المتورطين إلى الإعلان عن التوجه نحو عقوبة الإعدام يثير تساؤلات حول ما إذا كانت السلطة تسعى أساسا إلى معالجة أسباب الظاهرة أم إلى تقديم رد سياسي صارم أمام الرأي العام.
وتعيد هذه القضية إلى الواجهة سؤالا أعمق يتعلق بكيفية تدبير الأزمات في الجزائر، فعندما تقع كارثة كبرى، يصبح البحث عن “المذنب” جزءا أساسيا من الخطاب الرسمي، فيما تتراجع إلى الخلفية أسئلة أخرى لا تقل أهمية: هل كانت إجراءات الوقاية كافية؟ وهل تم توفير الإمكانيات اللازمة لمواجهة الحرائق؟ وهل تمت تعبئة وسائل الإنقاذ والإطفاء بالسرعة المطلوبة؟ وما هي مسؤولية المؤسسات المكلفة بتدبير الغابات والمخاطر الطبيعية؟
فالحرائق، حتى عندما تكون متعمدة، لا يمكن اختزال مواجهتها في العقوبات وحدها، إذ إن الوقاية والمراقبة المبكرة وصيانة المسالك الغابوية وتجهيز فرق التدخل وتوفير الطائرات والوسائل اللوجستية والتنسيق بين مختلف الأجهزة، كلها عناصر أساسية تحدد حجم الخسائر التي قد تخلفها النيران.
ومن هنا، تبدو معادلة “الإعدام مقابل الحرائق” أكثر تعقيدا مما يوحي به الخطاب السياسي، فالعقوبة، مهما بلغت قسوتها، لا يمكنها أن تعوض غياب منظومة فعالة للوقاية والاستباق. كما أن الكشف عن أي تورط إجرامي محتمل يظل مسؤولية التحقيق والقضاء وليس نتيجة يمكن حسمها مسبقا تحت ضغط الغضب الشعبي أو السياسي.
ويبدو أن تبون أراد من خلال توجيهه إرسال رسالة شديدة اللهجة إلى كل من يمكن أن يفكر في استغلال الحرائق أو إشعالها عمدا، خاصة بعد الخسائر البشرية التي خلفتها الكارثة. لكن الرسالة نفسها تكشف عن لجوء السلطة إلى أقصى درجات التشدد الجنائي في مواجهة أزمة لم تتضح جميع خيوطها بعد، او بالأحرى لن تتضح خيوطها لأنه متورط فيها.
وبينما تستمر التحقيقات لتحديد حقيقة ما جرى ومن يقف وراء الحرائق، يجد النظام الجزائري نفسه أمام اختبار مزدوج: اختبار كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وفق مسار قضائي واضح واختبار آخر يتعلق بقدرته على تقديم إجابات حقيقية حول أسباب تكرار الكوارث وسبل منعها.
ذلك أن الرأي العام لا ينتظر فقط معرفة من أشعل النار، بل ينتظر أيضا معرفة ما إذا كانت الدولة قد فعلت كل ما يلزم لمنع تحول الحرائق إلى مأساة بشرية. وبين البحث عن المتورطين والتلويح بالإعدام، يبقى السؤال الأهم: هل يكفي تشديد العقوبات لإطفاء نار أزمة تتجاوز في أسبابها مجرد البحث عن مذنب؟ في الجزائر، يبدو أن الجواب الرسمي بدأ هذه المرة من أقصى العقوبة، حتى قبل أن تصل التحقيقات إلى آخر فصولها وطبعا لن تصل لأن النظام هو الذي يشعل الحرائق في القبايل





