النوم في الشارع.. جريمة أم مأساة اجتماعية؟ سؤال يضع القوانين أمام اختبار صعب
هل يمكن أن يتحول فقدان المنزل إلى جريمة؟ وهل يمكن أن يجد شخص بلا مأوى نفسه في مواجهة الشرطة أو القضاء فقط لأنه ينام في مكان عام؟
السؤال لا يخص المغرب وحده. فظاهرة تجريم التشرد أو منع النوم في الأماكن العامة لها جذور قديمة في عدد من الأنظمة القانونية حول العالم، غير أن المقاربات تختلف بشكل كبير من دولة إلى أخرى، في وقت تتجه فيه بعض الدول إلى مراجعة هذه القوانين وإلغاء بعضها.
في المغرب، ينص الفصل 329 من القانون الجنائي على عقوبة تتعلق بالتشرد عندما تتوفر مجموعة من الشروط القانونية، من بينها عدم وجود محل إقامة معروف، وعدم توفر وسائل للعيش، وعدم ممارسة حرفة أو مهنة عادةً، مع مراعاة وضعية الشخص من حيث البحث عن العمل أو رفض عمل عُرض عليه.
وهذا يعني أن النوم في الشارع، بمفرده، لا يشكل بالضرورة جريمة، وإنما ترتبط المتابعة بتوفر العناصر التي حددها القانون.
بريطانيا.. قانون عمره قرنان ينتهي
من أبرز الأمثلة على التحول القانوني ما حدث في بريطانيا.
فـقانون التشرد البريطاني لسنة 1824 (Vagrancy Act) كان يسمح بتجريم بعض أشكال التشرد والتسول، وظل هذا القانون حاضراً في النظام القانوني البريطاني لما يقارب قرنين.
لكن بريطانيا اتخذت خطوة تاريخية في 2026، بعدما دخل إلغاء القانون حيز التنفيذ في 29 يونيو 2026.
وبذلك لم يعد النوم في الشارع جريمة بموجب قانون التشرد القديم.
التحول البريطاني يعكس نقاشاً أوسع داخل عدد من الدول حول سؤال جوهري: هل ينبغي التعامل مع الشخص الذي ينام في الشارع باعتباره مخالفاً للقانون، أم باعتباره شخصاً يحتاج إلى السكن والمساعدة الاجتماعية؟
أمريكا.. لا جريمة اتحادية اسمها «التشرد»
الوضع في الولايات المتحدة أكثر تعقيداً.
فلا توجد جريمة اتحادية عامة لمجرد كون الشخص بلا مأوى، لكن الولايات والمدن تستطيع في ظروف معينة اعتماد قوانين تنظم النوم أو التخييم في الأماكن العامة.
وفي يونيو 2024، أصدرت المحكمة العليا الأمريكية قراراً مهماً في قضية City of Grants Pass v. Johnson، وأقرت إمكانية تطبيق قوانين محلية تمنع النوم أو التخييم في الأماكن العامة حتى عندما يكون الشخص بلا مأوى.
وهكذا انتقلت بعض القوانين الأمريكية من فكرة «تجريم الشخص المتشرد» إلى تنظيم سلوك محدد، مثل النوم أو إقامة مخيم في مكان عام.
بين القانون والكرامة الإنسانية
المقارنة بين هذه النماذج تكشف اختلافاً جوهرياً.
هناك دول تنظر إلى التشرد من زاوية قانونية مرتبطة بالسلوك والنظام العام، بينما تتعامل دول أخرى معه باعتباره قضية اجتماعية بالدرجة الأولى.
لكن المشكلة تظهر عندما يكون الشخص أمام خيارين فقط: النوم في الشارع أو مخالفة القانون.
فإذا لم يكن لديه منزل ولا مال ولا مكان آخر يذهب إليه، فإن معاقبته على النوم في الشارع قد تطرح سؤالاً أخلاقياً وقانونياً أكبر من مجرد تطبيق النص.
هل يعاقب القانون فعلاً على السلوك، أم يعاقب الإنسان على فقره؟
المغرب في قلب النقاش
المغرب، بدوره، يملك مقتضيات قانونية تتعلق بالتشرد، لكن قراءة الفصل 329 تكشف أن المشرع لم يربط الجريمة بمجرد غياب المسكن، بل وضع مجموعة من الشروط.
وهذا التفصيل مهم جداً، خصوصاً في الحالات التي تتدخل فيها الشرطة مع أشخاص يعيشون في الشارع.
فالتحقق من الهوية أو الوضعية شيء، والمتابعة القضائية بسبب جريمة التشرد شيء آخر.
كما أن الحراسة النظرية أو الاعتقال لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها نتيجة آلية لمجرد أن شخصاً ينام في الشارع.
هل نحن أمام قانون قديم يحتاج إلى مراجعة؟
تجربة بريطانيا تفتح الباب أمام سؤال مغربي مشروع:
هل ما زال تجريم التشرد، بصيغته الحالية، هو الحل الأنسب للتعامل مع ظاهرة اجتماعية معقدة؟
فالتشرد قد يكون نتيجة البطالة، أو فقدان السكن، أو انهيار العلاقات الأسرية، أو أزمات مالية، أو ظروف اجتماعية قاهرة.
وفي مثل هذه الحالات، قد لا يكون السجن قادراً على معالجة أصل المشكلة.
بل إن خروج الشخص من السجن من دون سكن أو عمل قد يعيده ببساطة إلى المكان نفسه الذي بدأ منه.
الأمن العام أم المقاربة الاجتماعية؟
لا أحد ينكر حق السلطات في حماية الفضاء العام ومنع الاعتداءات والفوضى والتسول الإجرامي أو السلوكيات التي تهدد الآخرين.
لكن السؤال هو: كيف يمكن تحقيق ذلك دون تحويل الفقر والتشرد في حد ذاتهما إلى وصمة جنائية؟
ربما تكمن الإجابة في الفصل بوضوح بين أمرين:
الشخص الذي يرتكب فعلاً مخالفاً للقانون، والشخص الذي لا يملك ببساطة مكاناً ينام فيه.
الأول يخضع للقانون.
أما الثاني، فقد يكون في حاجة قبل كل شيء إلى عنوان آخر: الإيواء، والمساعدة، وإعادة الإدماج.
من «المتشرد» إلى «المواطن بلا مأوى»
تبدو المسألة في النهاية أكبر من مجرد مادة في القانون الجنائي.
إنها تتعلق بالطريقة التي تنظر بها الدولة إلى الإنسان الذي فقد مسكنه.
ففي الوقت الذي اختارت فيه بريطانيا إلغاء قانون تاريخي كان يجرّم بعض أشكال التشرد، وفي الوقت الذي سمحت فيه المحكمة العليا الأمريكية للسلطات المحلية بفرض قيود على النوم في الأماكن العامة، ما تزال دول أخرى تحتفظ بمقتضيات قانونية تتعامل مع التشرد من زاوية جنائية.
ويبقى السؤال مفتوحاً:
عندما ينام إنسان على الرصيف لأنه لا يملك سريراً، هل نحن أمام جريمة يجب أن تعاقب، أم أمام مشكلة اجتماعية يجب أن تعالج؟
ربما يكون مستقبل قوانين التشرد في العالم مرتبطاً بالإجابة عن هذا السؤال البسيط والصعب في الوقت نفسه.







