صعّدت جبهة البوليساريو لهجتها تجاه كولومبيا، عقب التحول اللافت في موقف بوغوتا من قضية الصحراء، بعدما أعلنت دعمها لسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، في خطوة تعكس، بحسب مراقبين، اتساع رقعة التأييد الدولي للموقف المغربي، مقابل تراجع المساحة الدبلوماسية التي تتحرك فيها الجبهة الانفصالية.
وأثار الموقف الكولومبي الجديد غضب قيادة البوليساريو، التي سارعت إلى إصدار بيان اعتبرت فيه التحول في سياسة بوغوتا “خطيرا وغير مقبول”، متهمة القرار بخلفيات سياسية وأيديولوجية، في محاولة واضحة لاحتواء التداعيات الدبلوماسية لهذا التطور.
غير أن اللهجة التصعيدية للجبهة تعكس، في المقابل، حجم الإحراج الذي بات يفرضه تغير مواقف عدد من الدول تجاه قضية الصحراء، خصوصا في ظل الدينامية الدبلوماسية التي يقودها المغرب خلال السنوات الأخيرة، والتي جعلت مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يحظى بدعم متزايد على المستوى الدولي.
وحاولت البوليساريو الاستناد إلى المادة التاسعة من الدستور الكولومبي للطعن في الموقف الجديد، معتبرة أن السياسة الخارجية للبلاد ينبغي أن تقوم على احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها والالتزام بمبادئ القانون الدولي.
غير أن هذا الطرح يواجه إشكالا سياسيا يتمثل في أن دعم الحل المغربي لا يعني بالضرورة التخلي عن البحث عن تسوية سياسية للنزاع، بل يمكن أن يُقرأ باعتباره تأييدا لمقترح الحكم الذاتي الذي يقدمه المغرب باعتباره حلا واقعيا وقابلا للتطبيق، في إطار سيادة المملكة ووحدتها الترابية.
كما حذرت الجبهة من أن الموقف الكولومبي قد يؤثر على مسار التسوية الأممي، معتبرة أن بوغوتا ابتعدت عن الدور الذي كانت تسعى إلى لعبه في قضايا السلام والتعاون الدولي.
لكن هذا التبرير لم يخفِ حقيقة سياسية أكثر وضوحا: كولومبيا، وهي دولة وازنة في أمريكا اللاتينية، اختارت إعادة ترتيب موقفها من الملف، في تطور قد يفتح الباب أمام دول أخرى في المنطقة لإعادة تقييم مواقفها التقليدية من النزاع.
ويكتسي التحول الكولومبي أهمية خاصة بالنظر إلى التاريخ الدبلوماسي للعلاقات بين بوغوتا وما يسمى بـ”الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”. فقد أقامت كولومبيا علاقات دبلوماسية مع هذا الكيان سنة 1985، قبل أن تعلقها سنة 2001 في عهد الرئيس أندريس باسترانا.
وعادت القضية إلى الواجهة سنة 2022، عندما قررت حكومة الرئيس السابق غوستافو بيترو إعادة تفعيل العلاقات مع الجبهة، غير أن التطورات اللاحقة تكشف أن مواقف دول أمريكا اللاتينية من قضية الصحراء ليست جامدة، وأن الاعتبارات الجيوسياسية والمصالح الوطنية باتت تلعب دورا متزايدا في إعادة رسم خريطة المواقف.
البوليساريو أمام واقع دبلوماسي جديد
ويبدو أن التصعيد الأخير للبوليساريو تجاه كولومبيا يتجاوز مجرد الرد على موقف دبلوماسي، ليعكس مخاوف أوسع من فقدان مواقع كانت الجبهة تعتبرها تقليدية داخل أمريكا اللاتينية.
ففي مقابل استمرار الجبهة في التمسك بخطاب تقرير المصير والاستقلال، يواصل المغرب الترويج لمقترح الحكم الذاتي باعتباره الإطار الذي يرى أنه قادر على إنهاء النزاع وتحقيق الاستقرار والتنمية في المنطقة.
وتأتي الخطوة الكولومبية في سياق دولي شهد خلال السنوات الماضية اتساعا ملحوظا في دائرة الدول التي أعلنت دعمها للموقف المغربي، سواء من خلال الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء أو اعتبار مبادرة الحكم الذاتي أساسا جديا وواقعيا وذا مصداقية لتسوية النزاع.
وبذلك، فإن غضب البوليساريو من بوغوتا لا يبدو منفصلا عن معركة دبلوماسية أكبر؛ فكلما اتسعت دائرة الدول الداعمة للمغرب، وجدت الجبهة نفسها أمام واقع دولي جديد يفرض عليها إعادة حساباتها.
ومن هذه الزاوية، يشكل الموقف الكولومبي الجديد ضربة سياسية مهمة للبوليساريو، ليس فقط بسبب وزن كولومبيا في أمريكا اللاتينية، وإنما أيضا لأنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن مواقف الدول من قضية الصحراء قابلة للتحول، وأن الرهان على المواقف التقليدية لم يعد كافيا في مواجهة الدينامية الدبلوماسية المغربية.
وفي انتظار اتضاح تفاصيل التحول الكولومبي وانعكاساته على علاقات بوغوتا بالرباط، تبدو البوليساريو أمام تحد دبلوماسي متزايد: كيف تحافظ على حضورها الدولي في ظل استمرار دول مؤثرة في إعادة النظر في مواقفها، مقابل صعود متواصل للمقترح المغربي على أجندة عدد متزايد من العواصم؟







