ما ان تطأ قدمك شاطئ طرفاية حتى تقابلك معلمة “كاسامار” ذات التاريخ العريق، التي تميز مدينة طرفاية عن باقي المدن بالأقاليمالجنوبية للمملكة، شاهدة بذلك على مدى التنوع الحضاري والثقافي والإنساني بهذه الربوع.
فـ”كاسامار” أو دار البحر، الحصن التاريخي والمعلمة التي أنشأها التاجر والرحالة والمهندس دونالد ماكنزي الانجليزي الأصل، بدعم منالحكومة البريطانية، برأس جوبي بالقرب من مدينة طرفاية، وتحوزها الإسبان، ظلت تعاني من الإهمال، وتحتضر يوما بعد يوم، مهددةبالانهيار، في انتظار التفاتة لترميمها وإعادة تهيئتها.
لقد ظل هذا الحصن التجاري صامدا يواجه أمواج المحيط الأطلسي لحوالي 140 سنة وإلى حدود اليوم، شاهدا على تعاقب الحضاراتوالثقافات الإنجليزية والإسبانية بهذه الربوع، والتي ساهمت إلى حد ما في إغناء التراث المادي واللامادي للمنطقة.
وقد مكن حيازة الإسبان آنذاك لهذه المعلمة التاريخية من قبل “مانويل فيتيغو”، الذي حل محل “ماكينزي”، من فتح صفحة جديدة منالمبادلات التجارية مع الإسبان الذين كانوا مزودي ساكنة هذه الربوع بالمواد الغذائية والألبسة والأسلحة، مقايضة بالفحم الحطبي.
فموقع “كاسامار”، كنموذج للتراث الكونيالي لما له من دور في تاريخ المنطقة، خلال أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، ولمكانة وقيمة هذهالمعلمة الحضارية في الوقت الراهن بعد الإهمال والضياع التي تتعرض له، دفع القطاع الوصي لإطلاق مشروع لإعادة تثمينها بهدفحمايتها وصيانتها وترميمها لحفظ الذاكرة الجماعية، ولتكون مصدرا من مصادر تنمية الجهة ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا.
وفي هذا الصدد، قال المدير الجهوي لقطاع الثقافة بالعيون – الساقية الحمراء، الحسن الشرفي، إن الأمر يتعلق بمدينة تاريخية تزخربالتراث، توضم معالم أثرية كولونيالية على غرار “دار البحر” أو كاسامار”، أو حتى “ميناء فيكتوريا” كمعلمة شرع في بنائها بتاريخ 12 دجنبر 1879 وانتهت أشغالها سنة 1882، كما شكلت محطة مينائية للتبادل التجاري بين جزر الكناري ومدينة طرفاية.
وأوضح المسؤول الثقافي، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن تأسيس هذه المعلمة كان يهدف إلى التهرب الضريبي وعدم تأديةالمكوس التي تفرضها سلطات ميناء الصويرة، مشيرا إلى أن المرجعية التاريخية الكبرى لهذه المعلمة “تستدعي التدخل لترميمها وتثمينها”.
وفي معرض هذا الترافع، أشار السيد الشرفي إلى أن العمل منكب على تسجيل معلمة “كاسامار” كتراث وطني، كما عبأت الوزارة مبلغ 10 ملايين درهم، داعيا إلى تضافر جهود كل المتدخلين على غرار عمالة إقليم طرفاية والمجلس الإقليمي ووكالة الجنوب وجماعة طرفاية لتعبئة مامجموعه 50 مليون درهم.
وسجل، بالمناسبة، العوائد الإيجابية لهذا الترميم والتثمين، لاسيما منها الجوانب السياحية، والتي سيعضدها وسيعرف بها كما يليق مشروعمتحف “دار البحر”، ومركز للتراث الشفهي بإقليم طرفاية، وأبعاده الجهوية عموما، مشيرا إلى أن استحضار البعد النضالي والتاريخيلهذه المعلمة سيمكن من التعريف أكثر بالأدوار التاريخية القديمة كما الحديثة لهذا الربع الغالي من الوطن.
وكشف السيد الشرفي عن مواقع أخرى يتعين إيلاؤها مزيدا من العناية من قبيل “سينما طرفاية” وموقع “اخنيفيس” و”السبخات” (عبارةعن أراضي ملحية تتكون نتيجة لترسيب الأملاح بصورة كبيرة ومستمرة، فتكون قشرة بيضاء من البلورات الملحية وتكون هذه القشرة هشةضعيفة)، على غرار سبخة “الطاح”، و”أم الضبع”.
وخلص إلى أن طرفاية، البوابة بالغة الأهمية والكنز الثقافي والتراثي، تختزن متحف الصناعة التقليدية الخاصة بأهل الصحراء الذي يضمجميع الأدوات التي احتاجها معمر هذه الأرض، كالخيمة والمنتوجات المرتبطة بإنتاج حليب النوق، ومتحف “سانت إسكبيري” الذي تعلقوجدانيا بهذا التراب، في أمس الحاجة إلى نهضة ثقافية بمساهمة كل المكونات والفعاليات، من سلطات محلية ومجالس منتخبة ومجتمعمدني، من أجل رد الاعتبار لمدينة طالها النسيان أو يكاد، حتى جاءت العناية الملكية السامية، ومرامي المكون الثقافي للنموذج التنمويالجديد للأقاليم الجنوبية للمملكة، الموقع بين يدي جلالة الملك سنة 2015.
فالظروف والحالة التي تتواجد عليها معلمة “كاسامار” ليست أحسن حالا من أمسها، لقد كانت مناط تكالب من قوى استعمارية تحقق منهاأغراضها، أما اليوم فـ”دار البحر” تعد هبة طرفاية التي تبتغي التثمين ويتعين صونها لجني عوائدها الثقافية والسياحية والرياضيةوالاقتصادية والاجتماعية، وبذلك رد الاعتبار لهذه المعلمة ولساكنة مدينة طرفاية.





