نيويورك / الرباط —
لم تكن الكلمات التي ألقاها ناصر بوريطة من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد إعلان بروتوكولي ضمن جدول أعمال الدورة؛ بل كانت بمثابة إطلاق صفارة إنذار دبلوماسية أعادت خلط الأوراق في كواليس قصر “الزجاج الأزرق” بنيويورك. بإعلانه الرسمي عن ترشح المملكة المغربية لشغل مقعد غير دائم في مجلس الأمن الدولي للفترة 2028-2029، نقل المغرب حراكه الخارجي من خانة “التفاعل” إلى مربع “صناعة القرار الدولي” من داخل الغرفة الأكثر حساسية في العالم.
هذه الخطوة، التي تبدو في ظاهرها ممارسة لحق طبيعي ضمن منطق التداول الإقليمي للمجموعة العربية، تحمل في باطنها رهانات جيو-استراتيجية بالغة الدقة، تتزامن مع وصول النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية إلى مراحله الأكثر حسماً.
“كرسي الحسم”.. لماذا الآن؟
التوقيت هنا ليس تفصيلاً عابراً، بل هو جوهر الاستراتيجية.
تأتي المبادرة المغربية بعد سنوات نجحت فيها الدبلوماسية الملكية في قلب موازين القوى الميدانية والدبلوماسية، وتحويل مقترح “الحكم الذاتي” إلى قاعدة صلبة تبنتها كبرى العواصم الفاعلة. يرى مراقبون أن الجلوس على طاولة الـ15 الكبار يمنح الرباط فرصة غير مسبوقة:
- إغلاق منافذ المناورة: بعد فترات حاول فيها خصوم الوحدة الترابية—وفي مقدمتهم الجزائر—استغلال العضوية غير الدائمة كمنصة للتشويش، يسعى المغرب إلى تحصين الهيئة الأممية من أي توظيف سياسي ضد مصالحه العليا.
- الانتقال من “الدفاع” إلى “الإغلاق”: وجود ممثل دائم للمملكة في المداولات المغلقة يتيح الدفع نحو حسم نهائي للملف، وحصار الروايات المناوئة بالوثائق والشرعية الدولية.
- استثمار شبكة التحالفات: لم يعد المغرب مجرد طرف في نزاع إقليمي، بل بات قوة إقليمية تُمسك بمفاتيح استقرار المحيط الأطلسي والساحل الإفريقي وحوض المتوسط.
أوراق القوة.. رصيد ميداني يتجاوز الخطب
لا يدخل المغرب هذا السباق بأيادٍ فارغة؛ فالترشح يستند إلى رأس مال سياسي وإنساني يجعل إقناع ثلثي أعضاء الجمعية العامة مهمة ممكنة:
- حارس البوابات الأمنية: في ظل تصاعد الأزمات في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، تدرك القوى الدولية أن المغرب شريك لا يمكن الالتفاف عليه في تفكيك شبكات الإرهاب العابر للحدود، ولجم تدفقات الهجرة غير النظامية، وتأمين الممرات البحرية الاستراتيجية.
- الدبلوماسية الإنسانية بالأفعال: من إنزال المساعدات المباشرة إلى قلب قطاع غزة المحاصر، إلى إقامة المستشفيات الميدانية العسكرية على الحدود السورية الأردنية، رسخ المغرب رصيداً من “القوة الناعمة” يمنحه مصداقية تفوق بكثير دولاً تكتفي بالشعارات.
- عقيدة احترام السيادة: تميزت السياسة الخارجية المغربية بتمسك صارم بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو مبدأ يجتذب دعماً واسعاً من دول الجنوب العالمي التي تبحث عن ممثل عقلاني ومتزن في مجلس الأمن.
طريق 2027: معركة كسب الثلثين
رغم الزخم الواضح، فإن الوصول إلى المقعد ليس نزهة دبلوماسية. يفرض ميثاق الأمم المتحدة خوض ماراثون لحشد أصوات ثلثي أعضاء الجمعية العامة في اقتراع عام 2027.
هذا التحدي سيضع شبكة التحالفات المغربية أمام اختبار عملي: هل تنجح الدبلوماسية الهادئة في تحويل التأييد السياسي إلى أصوات صلبة في صندوق الاقتراع السري؟
كل المؤشرات القادمة من نيويورك تؤكد أن الرباط لا تراهن على مقعد بروتوكولي للواجهة، بل تخوض استحقاقاً مدروساً لتأكيد دورها كـ “صانع استقرار” دولي، ووضع اللمسات الأخيرة على مسار طي نزاع طال أمده، ولكن هذه المرة من أعلى منصة للشرعية في العالم.


