تطرح تجربة الهجرة والعيش في مجتمعات جديدة تحديات عميقة تتجاوز مجرد الحصول على الإقامة أو وثائق السفر، لتصل إلى عمق أزمة الهوية والانتماء. وفي هذا السياق، تبرز ظاهرة بعض الوافدين الجدد الذين يتوهمون أن طريق القبول والاندماج السريع يمر عبر التخلي التام عن مقوماتهم الذاتية، ودينهم، وقيمهم الثقافية، في محاولة لنيل رضا مجتمعات الاستقبال بأي ثمن.
غير أن الواقع غالباً ما يكشف زيف هذه المعادلة؛ فالتخلي عن الجذور وتصنع سلوكيات غريبة عن الفرد لا يمنحه مساواة حقيقية ولا يحوله إلى مواطن أصلاني في نظر الآخرين. بل على العكس من ذلك، قد تؤدي هذه التنازلات المتتالية إلى فقدان الاحترام الذاتي والمجتمعي، حيث تنظر المجتمعات الغربية—التي تقوم على العقلانية والملاحظة—بعين الريبة والاحتراس لمن يتنكر لأصوله بسهولة لمجرد تحصيل مصلحة دنيوية أو مكسب إداري.
إن التماهي الأعمى واستعراض التخلي عن الهوية لا يورثان صاحبهما سوى الاغتراب المزدوج؛ فلا هو احتفظ بأصالته وكرامته، ولا هو نال الاعتراف الكامل في موطنه الجديد. ومثلما تجسد الرواية الشهيرة “ساق البامبو” للأديب سعود السنعوسي، فإن النبتة التي تُقتلع من تربتها الأصلية تعجز عن التروي والنمو بنفس القوة في تربة غريبة، ليظل صاحبها يعيش في هامش الهوية ودرجتها الثانية.
إن الاندماج الإيجابي والحقيقي لا يعني الذوبان أو المساس بالثوابت، بل يقوم على احترام القوانين مع الاعتزاز بالذات. فالاحترام والتقدير في دول الهجرة لا يُمنحان لمن يفرط في هويته ويقدم التنازلات المجانية، بل لمن يحافظ على كرامته وشخصيته المستقلة، ويعكس الصورة المشرفة لمجتمعه الأصلي دون تزلّف أو ادعاء.







