الأخبار العيون /أحمد حبيب الله
يتوجه الشبان المغاربيون من بلدان مثل تونس والمغرب والجزائر، والحالمون بالهجرة، عادة صوب القارة العجوز، ويلِجونها، إما “علانية” وبطريقة شرعية، أو سراً عبر البحر من خلال السواحل الإيطالية والإسبانية، أي عبر تونس والمغرب على وجه الخصوص. لكن الشباب الموريتاني وجّه بوصلته أخيراً نحو الغرب ولم ينخرط كثيراً مع نظرائه المغاربيين في “موسم الهجرة إلى الشمال”. وقد تكون الجغرافيا والواجهة الأطلسية لبلادهم من بين الأسباب التي لعبت دوراً أساسياً في هذا التوجه.
ويطمح عدد من الشباب الموريتانيين للوصول إلى الولايات المتحدة من أكثر المنافذ صعوبة، أي الجدار الحدودي مع المكسيك الذي يعبره الآلاف سنوياً، ومن مختلف الجنسيات نحو الجنة الموعودة. وشجعهم على ذلك وصول المئات من الموريتانيين سالمين إلى بلد العم سام قادمين من المكسيك بعدما تسلقوا ذلك الجدار العالي وعبروا الصحارى القاحلة وتحدوا الأهوال على جانبي الحدود.
أزمة اجتماعية
الموضة المنتشرة اليوم في صفوف الشباب العاطلين عن العمل في موريتانيا، سواء من أصحاب الشهادات الجامعية أو من ذوي الزاد العلمي والمعرفي المحدود، هو اللقاء في المقاهي وغيرها للتخطيط لكيفية الوصول إلى المكسيك ومنها إلى الجدار وتسلّقه للعبور إلى الأراضي الأميركية. وأغلب هؤلاء الراغبين في هذه الهجرة لم يبق لهم من حل سوى السير قدماً باتجاه الجدار رغم كل العراقيل بسبب تدهور الأوضاع المعيشية في موريتانيا، واستشراء اليأس والإحباط اللذين يشعر بهما كثير ممن أنهوا تعليمهم ولم يجدوا الشغل الذي يوفر لهم الموارد الكافية لانتشال عائلاتهم من الفقر والفاقة وتحسين أوضاعهم المعيشية.
ولم يقتصر التخطيط للوصول إلى الجدار على رواد المقاهي في موريتانيا بل شمل أيضاً رواد مواقع التواصل الاجتماعي ومستخدمي التقنيات الحديثة حيث أُنشئت مجموعات للدردشة وللتخطيط الجماعي لكيفية عبور هذا الجدار. ويبدو أنه لم تعد هناك حلول للهجرة أمام الموريتانيين سوى عبور الحدود المكسيكية – الأميركية بخاصة أن الولايات المتحدة شأنها شأن البلدان الأوروبية تتشدد في منح التأشيرات للموريتانيين، إضافة إلى وقوع موريتانيا في منطقة جغرافية بعيدة من سواحل أوروبا وأميركا الشمالية بالتالي.
شبكات دولية
وتنشط شبكات تهريب البشر والهجرة غير النظامية على الأراضي الموريتانية، ولفتت الانتباه إليها أخيراً شعبياً وإعلامياً بعد تمكنها من إيصال مئات الموريتانيين إلى الأراضي الأميركية بعدما عبروا واحداً من أصعب وأخطر الأماكن في العالم. وتجني شبكات التسفير تلك أرباحاً مالية كبيرة بسبب إيصال الموريتانيين إلى المكسيك، قدّرها البعض بأكثر من 16 ألف دولار أميركي عن كل شخص يتم إيصاله إلى الجنة الموعودة، فيما قدّرها البعض الآخر بأكثر من ذلك بكثير.
ولا تقوم شبكات تهريب البشر بنقل الراغبين في الهجرة مباشرة إلى المكسيك بل يتم المرور ببلدان أخرى على غرار البرازيل والإكوادور وبوليفيا وغواتيمالا وبنما وغيرها من بلدان أميركا اللاتينية وأميركا الوسطى. كما يتم الوصول إلى المكسيك ومنها إلى الجدار عبر أوروبا من دون أن يغادر المهاجر غير الشرعي القادم من موريتانيا المطار إلى الداخل الأوروبي باعتباره غير حاصل على تأشيرة دخول.
تشجيع ضمني
ويرى البعض أنه لا يمكن تصور أن الولايات المتحدة بكل أجهزتها وجيشها وعناصر أمنها واستخباراتها وإعلامها، غافلة عما يحصل في حدودها الجنوبية، وأنه لا علم لها بموجة تدفق الموريتانيين إلى أراضيها. فالأوروبيون على سبيل المثال تنبهوا في وقت سابق لعبور التونسيين إلى أراضيهم من خلال صربيا، فضغطوا على بلغراد لتفرض تأشيرات على التونسيين والتشدد في منحها. وبالتالي يبدو أن أميركا لا تمانع كثيراً في هجرة هذا الشباب الموريتاني المتعلم والحائز على شهادات جامعية، وذلك للعمل والإقامة في أراضيها التي تحتاج باستمرار إلى مهاجرين.
ووفق هؤلاء، فإن علاقات واشنطن بنواكشوط هي علاقات هامة واستراتيجية وحيوية، باعتبار أن موريتانيا هي دولة محورية في عملية تأمين المصالح الأميركية في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء. وموريتانيا بثرواتها الهائلة من النفط والغاز والذهب واليورانيوم والحديد والسمك وغيره، هي قبلة للمستثمرين الصينيين منذ سنوات وهو ما يزعج الأميركيين المتطلعين إلى علاقات أشد متانة مع نواكشوط في المستقبل القريب. ولعل وجود جالية موريتانية هامة في الولايات المتحدة لن يزيد الروابط بين البلدين إلا متانة وقوة.
Total Views: 0





