تستمر الجزائر في طرق الأبواب بحثا عن حلفاء إقليميين، وقد لاح ذلك غداة توتر العلاقات بينها وبين أغلب جيرانها ومحيطها الأفريقي، خاصة بعد الأزمة التي نشبت بينها وبين مالي، والتي دفعت المجلس العسكري الحاكم في مالي إلى إنهاء اتفاق السلام الموقع عام 2015 في الجزائر مع الجماعات الانفصالية الشمالية، والذي كانت الجزائر ترعاه منذ ذلك العام.
لكن مشكلة العلاقات التي تريد الجزائر إنشاءها تكمن في أنها تظل علاقات شكلية لا تتطور على الصعيدين السياسي والاقتصادي، في ظل غياب الرؤية الواضحة وبحث الجزائر عن المواقف أكثر من بحثها عن المصالح.
وتركز الجزائر على لفت نظر السعودية وكسب ثقتها من بوابة اتفاقية في مجال الغاز تم توقيعها قبل أيام والتحرك نحوها تحت مظلة الدور الإسلامي في ملف غزة من خلال مشاركة وزير الخارجية أحمد عطاف في الاجتماع الاستثنائي لمجلس وزراء خارجية الدول الأعضاء بمنظمة التعاون الإسلامي.
ولا يمكن قصْر زيارة عطاف إلى جدة على موضوع غزة والمشاركة في فعاليات الاجتماع الإسلامي برئاسة السعودية؛ فقد سبق للرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون أن غاب عن القمة العربية الطارئة، التي احتضنتها السعودية في نوفمبر 2023، لاستصدار قرارات تتعلق بالحرب في غزة.
ويقول مراقبون إن الجزائر لو كانت تبحث عن موقف عربي وإسلامي أقوى بشأن غزة لشاركت على أعلى مستوى في قمة جدة، ما يؤكد أن الهدف هو السعي للتقارب مع السعودية والبحث عن حليف وازن في ظل شعور الجزائر بالصدمة بعد أن خذلها الحليفان الأبرزان، روسيا وتركيا اللتان اختارتا أن تقفا في الصف المقابل للجزائر في مالي بالتزامن مع نجاح المغرب في جلب دول الساحل والصحراء إلى مبادرته الأطلسية.
وفي سياق السعي للتقارب مع السعودية وقعت شركة سوناطراك الجزائرية الاثنين اتفاقا مع شركة مداد للطاقة السعودية لتطوير حقول غاز في ولاية إليزي الجزائرية الحدودية مع ليبيا.
وقالت سونطراك في بيان “نعلن التوقيع على بروتوكول اتفاق مع الشركة السعودية مداد للطاقة – شمال أفريقيا، الذي يعكس إرادة الطرفين في تجسيد الشراكة، من أجل تقييم وتطوير مكامن الغاز الواقعة في منطقة إليزي (جنوب شرق الجزائر)”.
وأوضحت أن المباحثات تركزت على “آفاق التعاون بين الشركتين في ميدان استكشاف وإنتاج المحروقات على وجه الخصوص، إضافة إلى مجالات أخرى على علاقة بالنفط والغاز”.
وفي الشهر الماضي زار قائد أركان الجيش الجزائري السعيد شنقريحة السعودية معلنا عن الشروع في وضع إستراتيجية للتعاون العسكري بين البلدين.
وأكد قائد أركان الجيش الجزائري في لقاء مع رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة السعودية فياض بن حامد الرويلي، في فبراير الماضي، وفق وزارة الخارجية الجزائرية “بذل كل الجهود الممكنة، من أجل ضبط المحاور الأساسية والمتكاملة، المؤدية إلى بلورة إستراتيجية عملنا المشترك، وتوضيح كيفيات تحقيق أهدافها، لفائدة ومصلحة جيشينا”.
لكن المراقبين يلفتون إلى أن الجزائر لا تقدر على بناء علاقات متينة مع الرياض لعدة اعتبارات، منها أن السعودية ملتزمة بموقف دول مجلس التعاون الخليجي بشأن دعم مقاربة الحكم الذاتي المغربية كحل لقضية الصحراء.
وبالتزامن مع ذلك ستجد الجزائر صعوبات واقعية في التقارب مع السعودية بسبب موقفها المعادي للإمارات والحملات المجانية ضدها، في وقت يبدو فيه الموقف الخليجي أكثر تماسكا وتلاحما تجاه مختلف القضايا.
والإثنين زار شنقريحة قطر حيث التقى خالد بن محمد العطية نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدولة لشؤون الدفاع القطري.
وبحسب بيان لوزارة الدفاع الجزائرية شكلت المحادثات “فرصة أكد خلالها السعيد شنقريحة على العناية التي يوليها الرئيس الجزائري، عبدالمجيد تبون لتقوية أواصر الأخوة والتعاون مع الشقيقة قطر”.
وكانت الجزائر سعت لبناء علاقات متطورة مع مصر خلال ترؤسها القمة العربية في 2022، لكنها لم تلتزم بدعم تلك العلاقات وذهبت في اتجاه معاكس تماما من خلال عضوية مجموعة الأربعة التي تضم بالإضافة إلى الجزائر كلا من إثيوبيا وجنوب أفريقيا ونيجيريا، ما اعتبره المصريون اصطفافا مع أديس أبابا في أزمة سد النهضة.
وعلى مدى سنوات اعتقد المسؤولون الجزائريون أن علاقاتهم مع روسيا والصين متينة، لكنهم تفاجأوا من أن البلدين الحليفين لم يدعما رغبة الجزائر في عضوية مجموعة بريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا) وتسببا في إحراج شديد للرئيس الجزائري الذي كان يعلن باستمرار أنه واثق من قبول مطلب العضوية.
وقاد دفاع الجزائر عن علاقاتها الوطيدة مع روسيا إلى توتر في علاقاتها مع الغرب، وخاصة علاقاتها مع الولايات المتحدة، لكن موسكو اختارت التحالف في دول جنوب الصحراء مع القيادات العسكرية الجديدة في بلدان مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو دون أن تعبأ بمصالح الجزائر.
وعرفت العلاقات مع تركيا المآل نفسه، حيث فتح الجزائريون الأبواب أمام الحضور التركي في بلادهم دبلوماسيا واقتصاديا وروجوا لتحالف إستراتيجي متين بين البلدين، لكن أنقرة أظهرت أن ما يهمها هو مصالحها، وهو ما ظهر جليا في بيع المسيّرات لمالي لتستهدف بها المجموعات الانفصالية القريبة من الجزائر.
يشار إلى أن العلاقات بين الجزائر وأوروبا مازالت تسيطر عليها المخاوف نتيجة اعتماد الجزائر الخلط بين السياسي والاقتصادي من خلال إعلان العداء لإسبانيا وتعليق العمل بمعاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون بين البلدين بسبب موقف مدريد الداعم للمغرب. ومازال التوتر يطغى على العلاقة بين الجزائر وفرنسا بسبب تمسك الجزائر بتغليب خلافات الماضي على المصالح بين البلدين.
ولم يبق للجزائر سوى علاقتها مع تونس التي تعيش وضعا اقتصاديا صعبا وتنتظر وعود الدعم الجزائرية، في الوقت الذي لا يتوقع فيه المراقبون أي أفق لمبادرة اللقاء الثلاثي بين الجزائر وتونس وليبيا كبديل عن الاتحاد المغاربي بالرغم من سعي الجزائر لإقناع موريتانيا باللحاق بهذه المبادرة.
وأطلع الرئيس الجزائري الثلاثاء الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني على المبادرة. وقالت الرئاسة الجزائرية في بيان إن تبون أجرى اتصالا هاتفيا مع الغزواني أطلعه خلاله على “اللقاء المغاربي الثلاثي الذي جمع رؤساء كل من الجزائر وتونس وليبيا، عقب القمة السابعة لمنتدى الدول المصدرة للغاز الذي احتضنته الجزائر”.
وحاول تبون خلق اتحاد مغاربي بدون المغرب، في مواجهة النفوذ المتزايد للرباط في المنطقة، وخصوصا في دول منطقة الساحل، وهو الأمر الذي دفعه للاتصال بالرئيس الموريتاني، محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي غاب عن الاجتماع الذي عقده تبون مع كل من الرئيس التونسي، قيس سعيد، ورئيس مجلس الرئاسة الليبي، محمد المنفي.
ولم تتضح إلى حدود الآن أسباب غياب موريتانيا عن هذا الاجتماع “المغاربي”، على الرغم من أنه أجري على هامش القمة السابعة لرؤساء دول وحكومات منتدى البلدان المصدرة للغاز، الذي احتضنته الجزائر، والذي حضره أيضا الرئيس الموريتاني، واضطر تبون للاتصال بولد الشيخ الغزواني أمس الثلاثاء، في محاولة جديدة لإقناعه بالانضمام.
وقالت الرئاسة الجزائرية إن تبون أجرى مكالمة هاتفية مع أخيه ولد الشيخ الغزواني “جدد له فيها تهانيه بانضمام بلاده إلى منتدى الدول المصدرة للغاز، كما أعرب له عن شكره للحضور الموريتاني المميز في أشغال القمة السابعة”.
لكن مربط الفرس، كان هو ما ورد في البيان الجزائري بخصوص الاجتماع الثلاثي، إذ أورد “بذات المناسبة أطلع السيد الجمهورية أخاه الرئيس الموريتاني على اللقاء المغاربي الثلاثي الذي جمع رؤساء كل من الجزائر تونس وليبيا عقب القمة السابعة، لمنتدى الدول المصدرة للغاز، الذي احتضنته الجزائر، مضيفا أنه “بحث أيضا مع أخيه الرئيس الموريتاني، الرئيس الحالي للاتحاد الإفريقي، مسائل وقضايا راهنة، ذات طابع إفريقي”.
وكانت الرئاسة الجزائرية قد أعلنت يوم الأحد الماضي اجتماع كل من تبون وسعيد والمنفي، من أجل “تدارس الأوضاع السائدة في المنطقة المغاربية”، مضيفة أن اللقاء خلص إلى ضرورة “تكثيف الجهود وتوحيدها لمواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية بما يعود على شعوب البلدان الثلاثة بالإيجاب”.
وأوردت الجزائر أنه تقرر عقد لقاء قمة مغاربي على مستوى الرؤساء كل 3 أشهر من أجل “تنسيق أطر الشراكة والتعاون”، معلنة أن الاجتماع الأول ستحتضنه تونس بعد شهر رمضان المقبل، وحينها لم تتم الإشارة إلى بلدين مغاربيين هما المغرب وموريتانيا.
ويحاول الرئيس الجزائري المعين، عبر عدة مبادرات، جلب موريتانيا إلى صفه، بما يشمل “المُغريات الاقتصادية”، المتمثلة في “منطقة للتبادل الحر”، وذلك في مواجهة المبادرة التي أطلقها جلالة الملك محمد السادس، في نونبر الماضي، الهادفة لتمكين دول منطقة الساحل من الوصول إلى المحيط الأطلسي عبر ميناء الداخلة الجديد.
وأعلنت كل من مالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو، بشكل رسمي، الانضمام إلى هذه المبادرة، التي حظيت مؤخرا بدعم علني من إسبانيا ودول مجلس التعاون الخليجي، لكن إتمامها يفرض إحداث طريق بري بين المغرب وباقي دول منطقة الساحل، يمر بالضرورة من الأراضي الموريتانية، وهو ما يحاول تبون تفاديه.
ويمثل غياب موريتانيا عن الاجتماع الثلاثي في الجزائر وعدم تفاعلها معه على المستوى الرسمي، إشارة إلى استمرارها على موقف الحياد وعدم انخراطها في محاولات “مُحاصرة” المغرب.





