بقلم الصحفي خالد العدام
في السادس من نونبر من كل عام، يقف المغرب أمام واحدة من أكثر المحطات إشراقاً في تاريخه الحديث؛ ذكرى المسيرة الخضراء التي شكّلت حدثاً مفصلياً أعاد رسم ملامح الوحدة الوطنية. لم تكن المسيرة مجرد حشد بشري أو خطوة سياسية ظرفية، بل كانت تعبيراً عميقاً عن إرادة شعب اختار أن يستعيد حقه التاريخي بسلام، مستظلّاً بحكمة ملك وشجاعة أمة.
وتحوّلت المسيرة، منذ ذلك اليوم، إلى ذاكرة حية تُجدّد في المغاربة شعور الانتماء والتلاحم، وتذكّر الأجيال بأن السيادة لا تُمنح بل تُصان، وأن الوحدة ليست شعاراً بل مشروعاً جماعياً تُشيّده إرادة وطنية لا تكلّ. ومع مرور السنوات، بقي هذا الحدث راسخاً في الوجدان، يُستحضر في المدارس والبيوت والإعلام باعتباره درساً في الإيمان بالقضية والتشبّث بالحق.
اليوم، وبعد عقود على هذا الحدث التاريخي، لا يقتصر الحديث عن الصحراء على سرد الماضي أو إشعال جذوة الذاكرة، بل يمتد إلى واقع جديد يتشكّل بخطى واثقة عبر مشاريع تنموية غير مسبوقة. فالأقاليم الجنوبية أصبحت ورشاً مفتوحاً للاستثمار والبنيات التحتية، من الطرق والموانئ إلى الطاقات المتجددة والصناعات البحرية واللوجستية. مدنٌ كالعيون والداخلة والسمارة لم تعد مجرد أسماء في الخريطة، بل مراكز صاعدة تستقطب المستثمرين وتحتضن مشاريع تضع المنطقة في قلب دينامية تنموية لافتة.
ولعلّ ما يميّز هذا التحول أنه لم يأتِ من باب الشعارات أو الوعود، بل من رؤية استراتيجية واضحة صاغها المغرب عبر النموذج التنموي الخاص بالأقاليم الجنوبية، والذي يُعدُّ خارطة طريق تُرسي أسس تنمية متوازنة، تعطي الأولوية لخلق فرص الشغل، وتحسين الخدمات العمومية، وتمكين الشباب من آفاق اقتصادية جديدة. وهكذا أصبحت الصحراء فضاءً تتكامل فيه الذاكرة مع المستقبل، وتلتقي فيه رمزية المسيرة بمشاريع التنمية التي تعطي للحدث التاريخي امتداداً ملموساً في حياة الناس.
إن الاحتفال بذكرى المسيرة الخضراء ليس مجرد وقوف عند لحظة ماضية، بل هو استحضار لمعنى أعمق: أن الإرادة الجماعية قادرة على صنع التحول، وأن ما بدأ في عهد المسيرة يتواصل اليوم عبر أوراش التنمية والبناء. وبين الأمس واليوم، تمتد خيوط قصة واحدة؛ قصة وطن أدرك أن وحدته مصدر قوته، وأن صحراءه ليست مجرد مجال جغرافي، بل جزء لا ينفصل عن روحه ومستقبله.
المسيرة الخضراء… ذاكرة تتجدد وتنمية تتواصل في الصحراء المغربية
Total Views: 0
شارك هذا المقال
مدير تحرير جريدة أخبار العيون الورقية والإلكترونية، يشرف على رسم وتطوير السياسة التحريرية للمؤسسة وفق رؤية إعلامية مهنية ترتكز على المصداقية والموضوعية والالتزام بأخلاقيات العمل الصحفي. يتولى قيادة الفريق التحريري، وضمان جودة المحتوى الإخباري والتحليلي، بما يعزز مكانة الجريدة كمنبر إعلامي رصين يخدم قضايا المجتمع المحلي والوطني، ويساهم في ترسيخ إعلام مسؤول يواكب التحولات الرقمية ومتطلبات المرحلة.





