نواكشوط:الصحراء: محلل الشؤون ااسياسية
في ليلة استثنائية، خرج الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني من قاعة المؤتمر الصحفي حاملاً صورة مختلفة عن تلك التي ترسخت في أذهان الموريتانيين طيلة سنوات محدودية ظهوره الإعلامي. ثلاثة ساعات من الأسئلة المباشرة، والردود المفصلة، والانتقال بين ملفات حساسة كالفساد، والمأمورية الثالثة، والأمن، والطاقة، لم يظهر خلالها أي ارتباك أو توتر يذكر. لقد كان أداءً صلبًا يؤكد أن غزواني لا يملك فقط حكمة القائد، بل يمتلك ذاكرة حاضرة وسعة اطلاع تخرجه من دائرة “الرئيس الصامت”.
لكن هذه الصورة المشرقة، رغم وقوعها في اختبار “الشجاعة” الصحفي الذي أشار إليه الجميع، تظل محفوفة بعلامة استفهام كبرى جعلت من هذا المؤتمر حدثاً ناقصاً في نظر المتابعين للشأن الدبلوماسي الإقليمي.
الأسئلة الأربعة عشر: تشخيص محلي بامتياز
ركزت جميع الأسئلة التي طرحت على هموم الداخل الموريتاني. انصبت حول آليات مكافحة الفساد، وعقد صفقات التراضي، وقانون الرموز الذي يحد من حرية التعبير، وتدوير المسؤولين، واستغلال الثروات الوطنية. وهي بالفعل ملفات صعبة وشائكة، ونجاح غزواني في تفكيكها والرد عليها بوضوح يمنحه رصيداً إضافياً من الثقة المحلية. لقد أثبت أن حضوره الذهني قادر على استيعاب تعقيدات الملفات الداخلية، وهو ما شكل رافعة إعلامية قوية له.
الغياب الصارخ.. “سؤال الصحراء” المفقود
لكن اللافت للنظر، في ظل هذا الحضور المتميز للسيد الرئيس، هو الغياب التام لأي سؤال حول الموقف الرسمي لموريتانيا من النزاع المتفاقم في الصحراء الغربية، وقرارات مجلس الأمن الدولي الأخيرة التي يذهب بشكل متزايد إلى تبني مبادرة الحكم الذاتي التي تقدمت بها المغرب، والتي تحظى بدعم علني من الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا، إلى جانب العديد من الدول الأوروبية والعربية.
هذا السؤال لم يطرحه أي من الصحفيين المائة الذين حضروا. فهل كان “التفاهم” مع اللجنة المنظمة واضحاً في تجنب هذا الملف الشائك؟ أم أن حساسية الموقف الإقليمي دفعَت الجميع إلى وضع الخطوط الحمراء أمام أنفسهم؟
يبدو أن غزواني، الذي لم يتوانَ عن التحدث بشجاعة نادرة عن الفساد والمأمورية الثالثة، اختار “عدم الدخول في هذا الموضوع وسط زحام من الصمت” تجاه قضية لا تقل أهمية عن أي ملف داخلي، خصوصاً أن إسبانيا (الشريك الجار) وفرنسا (القوة الاستعمارية السابقة) تتجهان نحو الحسم لصالح الحكم الذاتي، مما يضع نواكشوط في موقف دبلوماسي معقد وسط جيرانها.
الهدوء بين السؤالين: شجاعة أم تكتيك؟
لقد قرأ المتابعون هدوء غزواني طيلة ساعات المؤتمر على أنه قدرة على التحكم في الأعصاب وثقة مطلقة بالنفس. لكن في غياب سؤال الصحراء، يصبح هذا “الهدوء” قابلاً لتأويل آخر: هو هدوء يأتي في منطقة آمنة، لكنه يفقد بريقه أمام الأسئلة التي قد تكشف عن تناقضات الموقف الرسمي.
ليس من المبالغة القول إن شجاعة الرئيس كانت ستختبر حقيقياً لو طرح عليه سؤال يتعلق بتجديد موقف موريتانيا من جبهة البوليساريو أو قرارات مجلس الأمن ومواقف القوى الكبرى. ففي هذا الملف، لا تكفي الإحاطة بالتفاصيل المحلية، بل تحتاج إلى دبلوماسية دقيقة قادرة على الموازنة بين علاقات موريتانيا مع الجزائر (حليفة البوليساريو) والمغرب (الشريك الاقتصادي والاخ الكبير).
إنجاز ناقص.. وصورة تحتاج إلى استكمال
لقد أنجز غزواني مؤتمراً صحفياً ناجحاً بامتياز في الملفات الداخلية، أثبت فيه أنه رئيس ملم بتفاصيل الدولة وقادر على المواجهة الإعلامية. لكن “الصورة الجديدة” التي خرج بها الرئيس تظل ناقصة في زاويتها الأهم، وهي السياسة الخارجية.

إن القفز فوق سؤال الصحراء الغربية يكشف أن غزواني ما زال يتبنى مقاربة “الحياد الحذر” أو “الحياد الإيجابي” كما يحلو للبعض تسميته، وهي مقاربة تحفظ لموريتانيا مسافة الأمان، لكنها في ذات الوقت تبقي الرأي العام الوطني في حيرة من أمره، بينما تستجد تطورات دولية كبرى تقتضي موقفاً واضحاً وحاسماً من نواكشوط.
غزواني واجه الصحافة وشجاعته في الردود كانت حاضرة،ويسجل له كاول رئيس لموريتانيا ينفتح على السلطة الرابعة في جو اسري يسوده الكثير من الود والاحترام واعطى بذلك فرصة ذهبية للقاء مع ابناءه الإعلاميين الموريتانيين…فهل يمكن ان نجعل من هذا الحدث مناسبة وطنية سنوية كما يفعل الرئيس الامريكي حين يقيم حفل عشاء مع صحفيي واشطن وكما هو الأمر بالمغرب حين نحتفل باليوم الوطني للإعلام …






