بقلم: خالد فاتيحي
أثار قرار عودة عبد الرحيم بوعيدة إلى البرلمان عقب قرار المحكمة الدستورية، الذي وصفته بعض الأوساط السياسية بـ”التاريخي”، قراءاتمتباينة حول خلفيات ومآلات هذا القرار الذي أثلج صدور داعمي بوعيدة وقيادة حزب الاستقلال التي تعززت كتيبتها داخل البرلمان، سيما أنهيأتي في أعقاب استعادة رئيس فريق “الميزان” بمجلس النواب، نور الدين مضيان، لمقعده البرلماني في الانتخابات الجزئية المجراة أخيرابدائرة الحسيمة.
ويرى مراقبون أن عودة بوعيدة، المعروف بمواقفه المناهضة لحكومة أخنوش، إلى قبة البرلمان سيكون له ما بعده، لاسيما أن الأخير اشتهرببث فيديوهات يوجه فيها انتقادات لاذعة لسياسات الحكومة في عدد من المجالات، ما دفع النشطاء إلى التساؤل حول ما إذا كان قرارالمحكمة الدستورية الأخير، ذو “حمولة سياسية” تمهد الطريق لاحتواء غضب بوعيدة تجاه حزبه السابق الذي يقود اليوم الحكومة المغربية.
وفي المقابل، ذهبت قرءات أخرى لقرار عودة بوعيدة عن حزب الاستقلال، أحد أحزاب التحالف الحكومي الثلاثي، إلى المؤسسة التشريعية،محاولة لتفجير الأغلبية الحكومية، لاسيما في ظل خروج خلافات حزب علال الفاسي الداخلية إلى العلن بسبب مواقف بعض قيادة الحزبمن سياسات حكومة أخنوش، فضلا عن استمرار غضب هذه الأخيرة من طبيعة الحقائب التي حصل عيلها الحزب في مفاوضات تشكيلالحكومة والتي جعلت منه الخاسر الأكبر في هذه المفاوضات.
انتصار حقيقي للديمقراطية
مباشرة عقب صدور المحكمة الدستورية، الذي حظي بمتابعة واسعة من لدن الأوساط السياسية الوطني، اعتبر حزب الاستقلال عودة النائبالبرلماني عبد الرحيم بوعيدة إلى قبة البرلمان نائبا عن إقليم كلميم، انتصارا حقيقيا للديمقراطية في بلد يؤمن بالحق والقانون.
جاء ذلك، في مقال نشرته جريدة العلم؛ لسان حال حزب الميزان، مؤكدة أن خبر عودة بوعيدة أثلج صدر حزب الاستقلال قيادة وقاعدة،وأضاف المصدر ذاته أن هذا الأمر قد تحقق من خلال الجهود المبذولة من طرف كل مكونات الحزب بقيادة أمينه العام نزار بركة، بعد تقديمكل الطعون اللازمة لهيئة المحكمة، التي أنصفت بوعيدة.
وأشار حزب الاستقلال، إلى أنه من المنتظر أن يلتحق النائب البرلماني، عبد الرحيم بوعيدة، لمزاولة مهامه نائبا استقلاليا عن إقليم كلميم فيالأيام القليلة المقبلة، لتعزيز صفوف الفريق الاستقلالي الذي يقوده نور الدين مضيان.
قراءات سياسية متباينة
عبد الرحيم العلام، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستورية بجامعة القاضي عياض، يرى أن كل القراءات التي تفاعلت مع قرار عودةبوعيدة إلى البرلمان، واردة، وتخضع لمنطق أنها صائبة تحتمل الخطأ، بمعنى أن من ذهب إلى القول إن قرار المحكمة الدستورية يمهد الطريقلاحتواء بوعيدة لكي “يدخل إلى الصف” وألا يظل “يغرد خارج السرب” هو احتمال ممكن، وفي نفس الوقت من يرى أن هذه العودة تشكلخطرا على تماسك عقد الأغلبية الحكومية المهدد بالانفراط هو أيضا أمر يحتمل الصواب.
العلام، قال أيضا إنه بغض النظر عن بُعده القانوني والحيثيات التي استند عليها قرار المحكمة الدستورية، من أجل قبول عريضة الطعنالتي أسقطت نائبا برلمانيا عن فريق الأحرار، في مقابل إعلان بوعيدة عن حزب الاستقلال فائزا بهذا المقعد، فإن هذا القرار يردّ ضمنيا علىعدد من الانتقادات التي وجهها فاعلون سياسيون للقضاء الدستوري، بمناسبة بتّه في الطعون الانتخابية، خاصة حزب العدالة والتنمية الذيشكك ولا يزال في نتائج الانتخابات وآخرها تلك المجراة في دائرة مكناس، التي اكتسحها حزب التجمع الوطني للآحرار.
توظيف القضاء الدستوري
لكن أستاذ العلوم السياسية، استبعد إمكانية توظيف القضاء الدستوري لخدمة أجندات سياسية، وقال إن هذا القرار يندرج برأيه ضمنالقرارات العادية، بمناسبة البت في المنازعات الانتخابية، وأنه ليس القرار الأول من نوعه، وأنه ما يميزه هو السياق الذي صدر فيه، في ظلالحديث عن إمكانية إجراء تعديل حكومي بالتزامن مع الدخول السياسي المقبل، بالإضافة إلى طبيعة الخلافات السياسية التي ربطت بينبوعيدة وحزب التجمع الوطني للأحرار والتي أطاحت به من رئاسة مجلس جهة كلميم واد نون.
وقال العلام إنه ليس من الوارد أن يمتلك شخص ما القدرة السياسية الكافية لتفجير تحالف حكومي من 270 نائبا برلمانيا، اللهم إذا كانهذا التحالف “هشاّ”، يبحث عن أي سبب لفك الارتباط بين مكوناته، حينها يمكن لعودة بوعيدة أن تشكل القشّة التي قسَمت ظهر البعير،مستدركا” لكن لا يتعين أن نغفل بأن قيادة حزب الاستقلال تملك الوسائل القانونية للوقوف في وجه أي محاولة من بوعيدة لتوتير الأجواءداخل بيت الأغلبية”.
وتابع رئيس مركز تكامل للدراسات والأبحاث “مما يعني أنه إذا لم يكن لحزب علال الفاسي مصلحة في هذا التوتر ومحاولة استثمارهلإحداث نوع موازين القوى داخل التحالف الحكومي، فإن بامكانه أن يدفع بطلب تجريد بوعيدة من عضوية البرلمان في حال خالف توجهاتالحزب ذات الصلة بالموقف من مساندة حكومة أخنوش وأغلبيتها البرلمانية”.
السياق السياسي
من جهته، قال رضوان عميمي، أستاذ القانون الإداري بجامعة محمد الخامس بالرباط، إنه لا يتعين الربط بين قرارات المحكمة الدستورية،بشأن المنازعات الانتخابية والسياق السياسي المرتبط بتفاعلات الأغلبية البرلمانية أو الحكومية أو غيرها.
وحجته في ذلك، أن قرار المحكمة الدستورية المتعلق بإعلان فوز بوعيدة بالمقعد البرلماني، صدر داخل الآجال التي حددها القانون التنظيميالمتعلق باشتغال المحكمة الدستورية المحكومة بالنظر في المنازعات الانتخابية داخل آجل سنة ابتداء من رفع الدعوة من طرف الطاعن.
وبالتالي، يرى الأستاذ الجامعي، أن صدور القرار، الذي أعاد بوعيدة إلى قبة البرلمان، داخل الآجال القانونية المحددة، يؤكد أن قرار المحكمةالدستورية غير مرتبط بالسياق السياسي.
بالمقابل، لفت المتحدث ذاته، إلى أن القرار تزامن مع المواجهة بين حزب العدالة والتنمية وخاصة رئيس الحكومة الأسبق عبد الإله بنيكرانووزارة الداخلية، لاسيما أن هذه المواجهة ارتبطت بموضوع منازعة انتخابية سابقة لأوانها.
وسجل عميمي أنه شكك في مقتضى دستوري والمتعلق بحياد الإدارة، من خلال عدم تسليمه بنتائج الانتخابات الجزئية بدائرة مكناس وفيسير العملية الانتخابية، داعيا إلى فتح تحقيق قضائي في الموضوع، والحال أن هناك مؤسسات دستورية مختصة في الأمر.
وأكد أن توقيت صدور المحكمة الدستورية، جاء متزامنا مع هذا المعطى، وبالتالي أعطى إجابة مباشرة لرئيس الحكومة السابق على اعتبارأن هناك مساطر قضائية وقانونية يمكنها إعادة الاعتبار لمبدإ المشروعية الانتخابية وحماية الممارسة الديمقراطية بالمملكة.
اختبار تماسك الأغلبية
من جهة أخرى، أن قرار المحكمة الدستورية، سيكون له ما بعده على اعتبار أنه ألغى مقعدا برلمانيا لحزب التجمع الوطني للأحرار الذي يقودالأغلبية الحكومية والبرلمانية، في مقابل منحه لفائدة شخصية تنتمي سابقا لنفس الحزب، وكانت لها خلافات عميقة مع هذا الإطار السياسيقبل أن تلتحق بحزب الاستقلال خاصة في ظل مواقف الرجل تجاه حزب التجمع الوطني للأحرار، بشكل خاص وتجاه الحكومة وأغلبيتهابصفة عامة.
واسترسل أستاذ القانون الإداري بجامعة الرباط، وبالتالي عودة عبد الرحيم بوعيدة ستشكل تحديا خاصا بالنسبة للأغلبية الحكومية، بحيثهل ستتمكن من احتواء الرجل وإعادة النظر في مواقفه السياسية، خاصة تجاه الحزب الأغلبي الذي يقود الحكومة ورئيسه عزيز أخنوش.
وأشار عميمي، إلى أن عددا من البرلمانيين، ومناضلي حزب الاستقلال يتبنون إلى حدّ قريب، نفس مواقف بوعيدة، لاسيما في ظل وضعيةالصراع التي عاشها حزب الاستقلال خلال الآونة الأخيرة بين تيار ولد الرشيد ونزار بركة، وظهور مجموعة من الأصوات من داخل الحزبالمعارضة للحكومة بين الفينة والأخرى، خاصة على صعيد المؤسسة البرلمانية.
ويرى الأستاذ الجامعي، أن السيناريو الأقرب، هو أن حزب الاستقلال سيخلق بعض المتاعب على مستوى الأغلبية الحكومية، إن لم نقل أنهسيؤدي في النهاية إلى عودة الحزب إلى صفوف المعارضة ودخول أحزاب للأغلبية الحكومية خاصة حزب الاتحاد الاشتراكي للقواتالشعبية.
وسجل أن الدخول البرلماني المقبل سيؤشر على تحولات على مستوى الأغلبية الحكومية، حيث سيكون التحدي الأكبر هو تماسك الأغلبيةوسط هذه التحديات الجديدة، لاسيما في ظل مؤشرات يمكن قراءتها من تصريح بوعيدة الذي أكد أنه سيستمر في مواقفه المعهودة.
وأشار إلى ترحيب حزب الاستقلال، بعودة مقعد بوعيدة البرلماني، بالإضافة إلى سكوت حزب التجمع الوطني خاصة في أعقاب اجتماع هيئةالأغلبية الأخير الذي تجاهل الحديث عن الموضوع، والتي تعد نقطة خلاف عميق داخل التحالف الحكومي.
وخلص عميمي، إلى أن عودة بوعيدة للبرلمان، في أعقاب قرار القضاء الدستوري الأخير، ستؤدي إلى إما تفجير الأغلبية من الداخل أوستضعف موقف التجمع الوطني للأحرار لصالح حزب الاستقلال الذي يظهر أن عددا مناضليه غير راضين عن موقع الحزب داخل الأغلبيةالحكومية، بالنظر إلى نتائجه الانتخابية خلال اقتراع الثامن من شتنبر.






“المغرد خارج السرب” هو افضل تشخيص للحالة لان السرب فاسد و نحن جميعا خارج السرب.