أكد محمد عادل إيشو، الباحث في الاقتصاد والإطار السابق بمديرية الخزينة والمالية الخارجية بوزارة الاقتصاد والمالية، أن التدخل المشترك الذي قامت به الولايات المتحدة واليابان لدعم الين لم يكن مجرد إجراء نقدي لحماية العملة اليابانية، بل جاء استجابة لمصالح اقتصادية ومالية أوسع ترتبط باستقرار الاقتصاد الأمريكي والأسواق المالية العالمية.
وأوضح إيشو أن هذا التدخل جاء بعد تراجع الين إلى نحو 163 ينا مقابل الدولار، وهو أدنى مستوى له منذ قرابة أربعة عقود، ما دفع السلطات اليابانية، بتنسيق مع الولايات المتحدة، إلى التدخل في سوق الصرف لوقف موجة الانخفاض، الأمر الذي ساهم في تعافي العملة اليابانية إلى حدود 155 ينا للدولار خلال فترة وجيزة.
فجوة أسعار الفائدة
وأشار الباحث إلى أن السبب الرئيسي وراء ضعف الين يكمن في اتساع الفارق بين السياسة النقدية اليابانية ونظيرتها الأمريكية، حيث يواصل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة، بينما يحافظ بنك اليابان على سياسة نقدية أكثر مرونة، ما شجع المستثمرين على الاقتراض بالين منخفض التكلفة وتحويل الأموال إلى الدولار للاستفادة من العوائد الأعلى.
وأضاف أن اعتماد اليابان الكبير على استيراد الطاقة والمواد الأولية المسعرة بالدولار، إلى جانب المضاربات في أسواق العملات، زاد من الضغوط على الين، رغم استمرار الاقتصاد الياباني في تسجيل فائض بالحساب الجاري وامتلاكه واحدة من أكبر المحافظ الاستثمارية الخارجية في العالم.
لماذا تدخلت الولايات المتحدة؟
ويرى إيشو أن واشنطن لم تتدخل بدافع دعم اليابان فقط، بل لحماية مصالحها الاقتصادية، إذ يمنح ضعف الين الشركات اليابانية ميزة تنافسية في الأسواق العالمية، خاصة داخل السوق الأمريكية، ما يزيد الضغوط على الصناعات الأمريكية ويعمق الفائض التجاري الياباني مع الولايات المتحدة.
كما لفت إلى أن اليابان تُعد من أكبر حائزي سندات الخزانة الأمريكية، وأن اضطرارها إلى بيع جزء كبير من هذه السندات للحصول على سيولة بالدولار كان سيؤدي إلى ارتفاع عوائدها، وبالتالي زيادة تكلفة الاقتراض بالنسبة للحكومة الأمريكية والشركات والأسر، وهو ما دفع الجانبين إلى اعتماد آليات تمويل توفر السيولة دون الإضرار باستقرار سوق الدين الأمريكي.
دروس للمغرب
واعتبر الباحث أن التجربة اليابانية تحمل دلالات مهمة بالنسبة للمغرب، الذي يواصل إصلاح نظام سعر صرف الدرهم بشكل تدريجي، موضحاً أن استقرار العملة لا يتحقق عبر تدخل البنك المركزي فقط، بل يرتبط بصلابة الاقتصاد الوطني، وحجم احتياطيات النقد الأجنبي، وتناسق السياسات النقدية والمالية، وقدرة الدولة على مواجهة تقلبات الأسواق الدولية.
وأكد أن تدخل السلطات النقدية في سوق الصرف يمكن أن يحد من المضاربات ويخفف التقلبات في الظروف الاستثنائية، لكنه يظل محدود الأثر إذا لم تُعالج الأسباب الهيكلية المؤثرة في قيمة العملة.
وخلص إيشو إلى أن التدخل الأمريكي إلى جانب اليابان يعكس تحول سياسات الصرف إلى أداة لإدارة التوازنات الاقتصادية والتجارية والمالية بين القوى الكبرى، وهو ما يجعل التجربة اليابانية نموذجاً جديراً بالاهتمام بالنسبة للمغرب في مسار إصلاح نظام سعر صرف الدرهم، بما يحقق التوازن بين تعزيز مرونة العملة والحفاظ على الاستقرار المالي والاقتصادي.







