بقلم: خالد العدام
أثار النقاش حول منح الإدارات الضريبية صلاحيات أوسع للاطلاع على الحسابات البنكية للأفراد والشركات جدلاً واسعاً بين من يرى في الخطوة آلية ضرورية لمحاربة التهرب الضريبي وتعزيز الشفافية المالية، وبين من يعتبرها مساساً محتملاً بأحد الحقوق الأساسية المرتبطة بالحياة الخاصة والسرية البنكية.
ولا شك أن الدولة تمتلك حقاً مشروعاً في حماية مواردها ومواجهة كل أشكال الغش الضريبي، خصوصاً في ظل حاجة الاقتصادات الحديثة إلى موارد مالية كافية لتمويل السياسات العمومية وتحقيق العدالة الاجتماعية. غير أن مشروعية الهدف لا تعني بالضرورة أن جميع الوسائل تصبح مقبولة، إذ إن قوة الدولة تقاس أيضاً بقدرتها على حماية حقوق مواطنيها أثناء تطبيق القانون.
مكافحة التهرب الضريبي.. ضرورة لا خلاف حولها
يشكل التهرب الضريبي أحد أكبر التحديات التي تواجه الأنظمة المالية، لأنه يحرم خزينة الدولة من موارد مهمة ويخلق نوعاً من عدم التوازن بين المواطنين الملتزمين بواجباتهم وبين أولئك الذين يخفون جزءاً من مداخيلهم أو أنشطتهم الاقتصادية.
ومن هذا المنطلق، فإن تطوير أدوات المراقبة المالية وتعزيز قدرات الإدارة الضريبية يعد أمراً مشروعاً، بل ضرورياً لضمان مبدأ المساواة أمام الضريبة. فلا يمكن بناء دولة قوية بخدمات عمومية فعالة في ظل انتشار اقتصاد غير معلن يستفيد من ثمار المجتمع دون مساهمة عادلة في تمويله.
لكن الإشكال الحقيقي لا يتعلق بمبدأ الرقابة، وإنما بحدودها وكيفية ممارستها.
الحسابات البنكية.. معلومات شخصية وليست مجرد أرقام
الحساب البنكي ليس مجرد سجل مالي يحتوي على أرقام ومعاملات، بل هو جزء من الحياة الخاصة للفرد. فمن خلال العمليات البنكية يمكن التعرف على أنماط الإنفاق، العلاقات التجارية، الالتزامات الشخصية، وحتى بعض التفاصيل التي لا يرغب المواطن في كشفها إلا في إطار قانوني واضح.
لذلك فإن فتح المجال أمام الاطلاع على هذه المعطيات يجب ألا يتحول إلى مراقبة شاملة تجعل كل مواطن يشعر بأنه تحت الاشتباه الدائم.
فالقاعدة في دولة القانون هي أن الرقابة يجب أن تكون مرتبطة بوجود مبررات موضوعية، لا أن تتحول إلى إجراء تلقائي يمس ملايين الأشخاص دون تمييز.
الخطر لا يكمن في الاطلاع فقط.. بل في حماية المعلومات
إن التحدي الأكبر في عصر الرقمنة لا يرتبط فقط بمن يملك حق الوصول إلى البيانات، بل أيضاً بكيفية حمايتها من التسريب أو سوء الاستخدام.
فالمعلومات المالية تعتبر من أكثر البيانات حساسية، وأي اختراق لها قد يسبب أضراراً كبيرة للأفراد والشركات. لذلك فإن توسيع صلاحيات الاطلاع يجب أن يرافقه استثمار حقيقي في الأمن السيبراني، ووضع آليات صارمة لتتبع عمليات الوصول إلى البيانات ومحاسبة أي تجاوز.
كما أن الثقة بين المواطن والمؤسسات لا تبنى بالقوانين فقط، بل بمدى احترام هذه القوانين للحقوق والحريات.
المطلوب.. توازن بين هيبة الدولة وحقوق المواطن
إن مواجهة التهرب الضريبي لا يجب أن تكون على حساب الخصوصية، كما أن حماية السرية البنكية لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء لحماية المخالفين.
والحل يكمن في اعتماد مقاربة متوازنة تقوم على مجموعة من المبادئ، من بينها:
- ربط الاطلاع على الحسابات البنكية بحالات محددة وشبهات جدية.
- تعزيز الرقابة المستقلة على استعمال هذه الصلاحيات.
- ضمان حق المواطن في التوضيح والدفاع قبل اتخاذ أي إجراءات ضده.
- وضع عقوبات صارمة ضد كل من يستعمل البيانات المالية خارج الإطار القانوني.
الثقة.. الشرط الأساسي لنجاح الإصلاح
إن الإصلاح الضريبي الحقيقي لا يقاس فقط بحجم الأموال التي يتم تحصيلها، بل بمدى قدرة الدولة على بناء علاقة ثقة مع المواطنين.
فالدولة القوية ليست هي التي تجمع أكبر قدر من المعلومات عن أفرادها، وإنما التي تستطيع تحقيق التوازن بين حماية المال العام واحترام الحقوق الفردية.
إن محاربة التهرب الضريبي معركة مشروعة، لكنها لن تنجح إلا إذا اقترنت بثقافة قانونية تحترم الإنسان، لأن العدالة الجبائية لا تكتمل إلا عندما تسير جنباً إلى جنب مع العدالة الحقوقية.
خالد العدام






