بقلم: عبدالله جداد
في زمن التحولات الكبرى التي يعرفها المشهد السياسي الوطني، تبرز أسماء بصمت مسارها بهدوء، وراكمت تجربة جعلتها في صلب النقاش حول مستقبل القيادة السياسية بالمغرب. ومن بين هذه الأسماء، يفرض اسم محمد ولد الرشيد نفسه كأحد الوجوه التي استطاعت أن تمزج بين الإرث العائلي، والحنكة السياسية، والتجربة المؤسساتية.
ينتمي محمد ولد الرشيد إلى بيت سياسي عريق في الأقاليم الجنوبية، حيث ترعرع في كنف والده مولاي حمدي ولد الرشيد، أحد أبرز الأعيان الذين بصموا مسار التدبير المحلي والسياسي بالصحراء. كما يمتد هذا العمق إلى عمه خليهن ولد الرشيد، الذي لعب أدوارًا محورية خلال فترة الإدارة الإسبانية، قبل أن يحظى بثقة الملك الراحل الحسن الثاني ويُعيَّن وزيرًا لتنمية الأقاليم الصحراوية، في مرحلة دقيقة من تاريخ المملكة.
هذا الامتداد العائلي لم يكن مجرد إرث رمزي، بل شكل مدرسة سياسية حقيقية، فتحت أمام محمد ولد الرشيد آفاق الوعي المبكر بتعقيدات القضية الوطنية، وأهمية التوازن بين الدولة والمجتمع، وبين الخصوصية المحلية والثوابت الوطنية.
اختار ولد الرشيد الانتماء إلى حزب الاستقلال، حزب الحركة الوطنية، الذي شكل عبر تاريخه أحد أعمدة بناء الدولة المغربية الحديثة. ومن داخل هذا الإطار، ساهم في عدد من المحطات التنظيمية الدقيقة، خاصة خلال مرحلة الانتقال من قيادة حميد شباط إلى نزار بركة، حيث برز كأحد صناع التوافقات الحزبية، بما يعكس قدرته على تدبير الاختلاف داخل البيت السياسي الواحد.
وعلى المستوى المؤسساتي، شكلت رئاسته لمجلس المستشارين محطة مفصلية في مساره، إذ أبان عن فهم عميق لتوازنات العمل البرلماني، واستطاع أن يمنح للمؤسسة بعدًا جديدًا قائمًا على الحوار والانفتاح. كما بصم على مواقف جريئة، من بينها إحالة ملف المجلس الوطني للصحافة على المحكمة الدستورية، في خطوة عززت صورة المؤسسة التشريعية كفاعل دستوري مسؤول.
أما على صعيد الدبلوماسية البرلمانية، فقد سجل حضوره من خلال مبادرات نوعية، أبرزها استقباله وقيادته لزيارة رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي إلى مدينة العيون، في سابقة تحمل دلالات سياسية قوية، تعكس تحولا في مقاربة التعاطي الدولي مع قضية الصحراء المغربية، وتبرز في الآن ذاته قدرته على التفاوض والإقناع في المحافل الدولية.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن انتمائه للأقاليم الجنوبية، التي تمثل اليوم رهانًا استراتيجيًا في معادلة الاستقرار والتنمية. فحضور أبناء الصحراء في مواقع القرار ليس فقط تكريسًا للتمثيلية، بل هو أيضًا ضمانة لتعزيز الثقة في مشروع الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، كما تؤكد عليه القرارات الأممية الأخيرة.
إن تجربة محمد ولد الرشيد، بما تحمله من تداخل بين المحلي والوطني، وبين السياسي والمؤسساتي، تضعه ضمن الأسماء التي راكمت شروط الحضور في المستقبل السياسي للمملكة. وبين رئاسة الحكومة أو مواقع المسؤولية العليا، يبقى الرهان الأساس هو القدرة على مواصلة بناء التوازنات، وصيانة المكتسبات، والانخراط في مغرب التحولات الكبرى.
وفي أفق الاستحقاقات المقبلة، يظل السؤال مشروعًا:
هل تكون المرحلة القادمة في حاجة إلى نموذج سياسي من هذا الطراز الفريد والمتميز…
والله ولي التوفيق






